تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

34

وقد يتجاوز المترجم الحذف والإضافة والتأويل إلى تقديم النص وتقطيعه إلى فقرات تمايزا بين الأنا، المترجم، والآخر النص المترجم، وتحويل أنا الآخر إلى آخر الأنا. كان المؤلف قد وضع الفواصل في نصه بداية للتواريخ بحياة الفلاسفة والشعراء. مراحل التاريخ هي مراحل الفكر، وحوادثه حياة الفلاسفة. ويبدأ تقطيع النص إلى فقرات (81 فقرة)، تبدأ كل منها بعبارة «قال هروشيوس» أو افعال القول مثل ذكر، حكى، وتحويله إلى وحدات صغيرة طبقا لموضوعاتها من أجل احتوائها داخل التأليف.

35

وقد تتجاوز الإضافة كلمة أو عبارة إلى نص كامل، يقدم النص المترجم في موضوع قد يعرفه المؤلف، مثل قصص الأنبياء وخبر آدم وعدد سنين الدنيا من آدم حتى نوح. وقد يختلط القصص القرآني مع القصص التوراتي؛ فالرصيد المشترك بين المترجم والمؤلف، هو الذي تتم فيه عملية التعشيق بين النصين كعاشق ومعشوق. وغالبا ما يكون هذا النص المضاف تلخيصا وتركيزا وإبرازا للدلالة، مثل الاحتجاج على جهل الرومانيين الذين يفخرون بحروب أسلافهم، وينكرون فضل زمانهم، ويمجدون بركة الدين وفضل الإيمان. ولم يتم السلم في الدنيا ولا هدوء أهلها، إلا بعد قدوم السيد المسيح «وله في ذلك كلام كثير». وتحدث عن حرب الإيمان وأنه سبب هدوء الدنيا، «إلى غير ذلك من كلامه الكثير». وقد اختصر المترجم بهذا الاستهلال لبيان غرض المؤلف أكثر من خمس صفحات.

36

يبين الفاصل غرض المترجم الكلي خاصة إذا كان الموضوع مألوفا في الثقافة الجديدة، مثل الرد على قدم العالم وإثبات أنه محدث، وإثبات توحيد الباري، والإقرار بأنه لم يزل عالما حيا. لم يفصل المترجم بين النص المترجم وتلخيصه؛ فلم يكن لدى القدماء تصور للملكية الفردية للإبداع الذهني، كما هو الحال عند المحدثين في تسجيل براءات الاختراع. وفي الفاصل يختصر المترجم استرسال المؤلف، الذي لا تحتاجه بيئة المترجم. وقد تكون من الناسخ؛ فالنص عمل جماعي. وقد يكون الهدف من الفواصل بيان التواريخ والمراحل مشاركة في التأليف؛ فالنص المترجم ليس ملكا لأحد؛ مات المؤلف عاش النص بلغة المعاصرين. قد يوجز المترجم فصلا إيجازا شديدا ليفصل الجسد عن الروح، ورفض استعمال التاريخ للدفاع عن العقيدة المسيحية. ويعلن المترجم عن ذلك صراحة في النص «تركنا ترجمته رغبة في الإيجاز وكراهية للتطويل.»

وقد يصل التعليق إلى إضافة مقالات بأكملها على النص الأول، مثل احتمال إضافة المقالة السابعة على كتاب الأخلاق لأرسطو من المترجم أو من مؤلف ثان لا يكون بالضرورة الناسخ أو القارئ. وواضح من أسلوبها أنها كذلك لأنها تتحدث عن أنواع أدبية جديدة مثل الاختصار الموسع، بالإضافة إلى أمثلة من شعر هوميروس، سواء كانت من اختصار الإسكندرانيين أو من أو من رسالة مستقلة.

37

وقد يكون التعليق من أجل نقل النص الأصلي إلى تصوره بعد ترجمة في لغة أخرى، فإذا تحدث جالينوس عن مثال أحد أجداده القدماء فإن الناقل حنين من اليوناني إلى السرياني يخصص ذلك في الهامش. ويذكر أسقليبوس ويزيد على كونه «مثالة» أنه يسمى أيضا «إلها»؛ لأنه كان مثالة بعد أن كان إنسانا فيما مضى.

38

فإذا لم يكن النقل الحضاري كافيا تم تأليف رسائل للقيام بذلك مجهولة المؤلف بين التأليف والانتحال، مثال ذلك «مقالة في المدخل إلى علم الأخلاق» غير منسوبة إلى واضع، ظننتها لنيقولاوش فألحقتها مختصرة في الفلسفة.

39

كما يغلب عليها الطابع القصصي حتى يمكن التعبير عن الفلسفة بالأدب أسوة بحيي بن يقظان، ورسالة الطير، وبلوهر وبوذاسف.

وهنا تظهر المصطلحات الإسلامية والأسلوب الإسلامي مثل الدعوة إلى الله؛ فالله مقدر الأعمار، وهو جل وتعالى حي أزلي أبدي، وهو الإله جل اسمه، يجب الاقتداء به؛ فالسعادة الحقة هي الاقتداء بالله، بحسب طاقة البشر كما قال أفلاطون، إكمالا لأرسطو بأفلاطون وتجاوزا للجزئي إلى الكلي، ومن أخلاق أرسطو إلى الفلسفة الخالدة. والله عز وجل حكيم، وأفعاله كلها حكمة، والإنسان الفاضل السعيد هو المقتدي بالله. الإله حي ناطق أزلي على عكس الإنسان الحي الناطق الميت، وهو الباري الضامن للفضائل. وفي الضميمة الثانية من «كتاب الأخلاق اختصار الإسكندرانيين»، يتم النقل الحضاري أيضا بنفس الطريقة ولو على نحو أقل؛ فالعبادة هي التقرب من الله، والله هو الغاية المطلوبة من الأخيار العارفين.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ١٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ١٠٦