23
وقد يكون التقطيع مجرد إظهار اسم المترجم، بعد نقل القول في صيغة «قال إسحاق»، والصعوبة في ذلك صعوبة الحكم على ما بعد القول، هل هو النص المترجم أم هل هو تعليق له على النص؟
24
تبدأ الترجمة بقال أرسطوطاليس؛ أي إنه هو الآخر المتمايز عن الذات، والذات المتمايز عنه، الأنا في مواجهة الموضوع؛ فالمترجم يتمايز عن المؤلف تمايز الأنا والآخر. ويستأنف الشارح نفس التمايز، فيتحدث عن أرسطو في الشخص الثالث. ويكثر المعلق من استعمال قال أرسطو، يبحث أرسطو مما يدل على البعد الزماني والمكاني والتاريخي والحضاري بين الذات والموضوع؛ فأبو الفرج الشارح يقف أمام أرسطو على وجه التقابل: «أرسطو يروم ... وأنا أقول.» واحد لواحد، شخص في مواجهة شخص، مفكرا لمفكر، وحضارة لحضارة، وليس التمايز فقط مع أرسطو، بل أيضا مع باقي فلاسفة اليونان مثل أفلوطين، فيتم التحدث عنه باعتباره آخر؛
25
ففي وسط النص تتقطع الفقرات بعبارة «قال الحكيم»، ووضع النص باعتباره نصا لآخر غير المترجم والناسخ والشارح والملخص والقارئ؛
26
فأرسطو يشرح ويبين ويحكي وكأنه أمام شيئين لا شيء واحد، أرسطو وموضوعه، والشارح طرف ثالث. يتعامل الشارح مع موضوع مستقل أرسطو فيه طرف أول، والشارح طرف ثان. هناك إذن مرجع ثالث هو الموضوع. ليس الشرح لأرسطو بل لموضوع أرسطو. قد يختلف الشارح مع أرسطو لاختلاف الرؤية نحو موضوع واحد، ويصرح بهذا الاختلاف، وقد يتفق معه فلا يعلق. وأحيانا يعرض الشارح الموضوع مباشرة دون «قال أرسطو»؛ فالموضوع له الأولوية على الشخص. يتحدث الشارح عن الشيء ذاته ويصفه فيخرج الوصف مطابقا لغرض أرسطو؛ فالموضوع له الأولوية على الشخص. يتحدث الشارح عن الشيء ذاته ويصفه فيخرج الوصف مطابقا لغرض أرسطو؛ وبالتالي يتحد الحكيم والشارح والشيء، وتتفق النظرتان مع الموضوع.
27
وفي هذه الحالة يبدأ الشارح بالجملة الاسمية مباشرة، بالشيء نفسه وهو أرقى تعليق دون قال يقول أو بيان غرضه، الذهاب إلى الشيء مباشرة عن طريق القول.
وظاهرة تقطيع النص إلى وحدات بداية بأفعال القول «قال» أو «قال أرسطو»، تبدأ من عمل المترجم قبل المعلق والشارح والمخلص، وكل من يعمل في النص من أجل تحويله من نص وافد إلى نص موروث.
28
وقد يتدخل المترجم لتقديم النص، والتعليق عليه «قال المترجم». وينقد أرسطو في استشهاده بشعر أسيودس وهو غير موجود بنصه، مع افتراض أن أرسطو قد أعطى استشهادا حرا أو لخص ما قال الشاعر؛ فالمترجم هنا مراجع ومحقق ومدقق ودارس للنص المترجم. وقد يكون التعليق إضافة من مترجم آخر، بل ومن ناسخ أو قارئ لاستئناف عملية تمثل النص المترجم، وإعادة كتابته في المراحل التالية، الشرح والتلخيص والجوامع والعرض والتأليف،
29
وتكون في الهامش زيادة من المترجم أو الناسخ أو القارئ احتراما للنص الأصلي، وكصورة أولى للتفسير الذي يفصل بين المتن والشرح؛ إذ يضيف الهامش أن أرسطو قد بين عدم تداخل جسم البتة، في حين يرى جالينوس أن الكيفيات تتمازج في مزاج ثالث.
30
وقد يكون التعليق مجرد شرح للفظ وإبراز معناه لمزيد من التوضيح، وبداية التحرر من الترجمة إلى الشرح.
31
وقد يكون التعليق في الهامش بالإحالة إلى مصدر الفكرة في كتاب، مثل الإحالة إلى كتاب «القوى الطبيعية» لجالينوس، بعد أن تركه النص دون تحديد؛
32
إذ تبدأ التعليقات على هوامش الترجمات من أجل المقارنة، مقارنة جالينوس في النص بأرسطو في الهامش، زيادة على النص وتفصيلا للموضوع، فإذا كان جالينوس يرى كطبيب أن الكيفيات تتمازج، فيحدث من تمازجها مزاج، فإن أرسطو لا يداخل جسما جسما البتة.
33
كما تتم مقارنة جالينوس وأبقراط في حجج كليهما في مقدمة المعرفة. وقد يكون التعليق إحالة لمصدر وإرجاع الفكرة له، تخصيصا لعام وذكرا لاسم الكتاب وهو «القوى الطبيعية» لجالينوس.