10
وقد تكثر التعليقات وتصل إلى مجلد بأكمله منفصلا عن النص، يمكن نشره مستقلا باعتباره النواة الأولى للتأليف في الوافد.
11
وإن فصل التعليقات عن النص يدل على احترام النص، وفي نفس الوقت تحويله إلى نص دال داخل الحضارة التي ترجم إليها. وإن طول التعليقات لا تعني خروجا على النص، بل بداية الشرح كمرحلة نحو التأليف، خاصة إذا كان الهدف من التعليقات توضيح موضوع الكتاب كالمقولات مثلا؛ أي الاتجاه نحو الموضوع مباشرة توضيحه عقلا فيما وراء النص المسهب.
12
التعليق صراحة هو فهم للنص حسب الاجتهاد. كان الناقل ينفعل بما يكتب؛ يفرح إذا فهم، ويغتم إذا استغلق عليه الأمر.
13
وقد يحتوي التعليق في الهامش على بعض الأمثلة التوضيحية للفكرة، مثل الرحمة والغضب للانفعالات، وإذا كان الناشر الحديث يضيف بعض الألفاظ لإيضاح المعنى، فلماذا تعاب مثل هذه الزيادة على القدماء، حلال على المحدثين لتوضيح المعنى حرام على القدماء لخلطهم.
14
ويظهر التمايز بين الناقل والمنقول في صيغة الخطاب وبداية النص بلفظ القول، كما هو الحال في ألفاظ الرواية في علم الحديث قال «أرسطوطاليس».
15
وتوحي العبارة بالتمايز بين الناقل وموضوعه؛ فالنص ليس محايدا بل منقولا، ليس مجهولا بل كتبه أرسطو. يتحدث الناقل عن موضوع مغاير له، وقول آخر غير قوله، وقد استمر هذا التقليد في مرحلة التأليف عن طريق الإملاء أو الكتابة، عندما يتقدم النص المملى أو المكتوب عبارة قال «أبو علي» (أبن سينا) أو قال «أبو النصر» (الفارابي) أو قال «أبو الوليد» (ابن رشد)، وضعها الناسخ للتمايز بينه وبين النص المملى عليه أو المنسوخ منه. وبعد هذا التمايز والتباعد بين الناقل وموضوعه يصدر الناقل الحكم على أرسطو، ونقله بمعنى يظهر مضمونه مثل مباكتة السوفسطائيين، وأنها ليست مباكتات بل مغالطات؛ فهو يصحح لفظ أرسطو اليوناني بلفظ عربي أفضل، أكثر تعبيرا عن موضوع الكتاب. المترجم هنا ليس ناقلا حرفيا بل مؤلفا مشاركا، فيتناول الموضوع المترجم بدرجة من الاستقلال عن الموقف الأصلي.
16
في التعليق يحدث التمايز بين الأنا والآخر، ويتم الحديث عن أرسطو كغائب مفرد بداية لموت المؤلف وحياة النص واستقلال الموضوع. في التعليق يتم الحديث عن أرسطو باعتباره الآخر، وتبدأ الإشارة إليه عن بعد بحيث يكون المعلق ذاتا والنص المعلق عليه موضوعا؛ مما يوضح قدر الاستقلال للمعلق، حتى لو كان القول ما زال ظنيا. وهو تمايز بين الأنا والآخر، مخالف لعادة القدماء في الحديث عن النص، ونسبته إلى صاحبه في صيغة قال أبو علي، قال أبو محمد، «قال أبو نصر»؛ إذ إن هذا التمايز الأخير بين الذات ونفسها، وليس بين الذات والآخر؛ إذ يتحدث فرفوريوس عن أرسطو باعتباره الآخر.
17
ويضم التعليق آراء المترجمين بل والقراء للنص. التعليق عمل جماعي، كل ما يقال حول النص، ترجمة وفهما، شرحا وتلخيصا.
18
يشمل التعليق الحكم بالجودة والتجويد من أحد المترجمين للنص الأصلي. وقد يحتوي على تفنيد زعم بعض الشراح، ورفض أقوالهم خاصة الترجمات المتأخرة. ويكون التعليق في صيغة المطلب والاقتضاء، وما ينبغي أن يكون لوجود معنى معياري في النص.
19
قد يحتوي التعليق على حكم قيمة مفاضلا بين الترجمات والنسخ المختلفة، وعلى الزيادات: هل تحتوي على معنى أم مجرد حشو؟
20
وقد يدخل التفضيل بين الترجمات داخل الشرح، ولا يبقى مجرد تعليق في الهامش.
21
وقد لا يكون التعليق حاسما، فيكتب بصيغة الاحتمال كالأظهر والأقوى.
22 (2) التعليق وتقطيع النص
وقد تكون «قال الفيلسوف أرسطوطاليس» من المترجم (إسحاق) أو من الشارح (نيقولاوس) أو من الناسخ؛ فهو تمايز واحد عند الثلاثة، بصرف النظر عما إذا كان المترجم إلى السريانية أو إلى العربية، وعما إذا كان الشارح يونانيا أم عربيا؛ فالنص ينسب إلى الترجمة وليس إلى صاحب النص الأصلي أرسطو؛ مما يدل على أنه تحول من وافد إلى موروث، من نص الآخر إلى نص الأنا.