29
وتظهر أيضا على أنها سادس صفة في تفسير «لا إله إلا الله» بالاستغناء عن كل ما سواه.
30
ولأول مرة بعد ذكر وصف الواحد ترفض جميع صور التثنية. ويذكر نقض المجوس في تفسير «ولم يكن له كفوا أحد» مع إثبات الوجود والوحدانية ونفي الشبه ونقض اليهود والنصارى.
31
وقد يرد على المذاهب المعارضة في معرض رفض العقائد دون إثبات وصف مقابل وهو الوحدانية.
32
وقد ترفض الثنوية في معرض رفض قدم العالم مع الدهرية وليس في معرض إثبات الوحدانية.
33
وقد ترفض الثنوية أيضا في العدل في نفي مسئولية الظلام عن الشر ونسبته إما إلى الله أو إلى حرية الإنسان. وبعد الوحدانية كآخر فصل في التوحيد قبل العدل تنتهي الوحدانية بتحليل أنواع الشرك، عبادة الأوثان والأصنام وعبادة الملائكة وعبادة الكواكب.
34
وفي بعض المؤلفات الموسوعية المتأخرة يظهر وصف الواحد على أنه الأهم للذات بعد ذكر الصفات المعنوية السبع.
35
وفي بعض الحركات الإصلاحية التي اقتصرت على إثبات القدم والبقاء كأحكام الواجب تظهر الوحدة بعد صفات المعاني وبعد الاختيار.
36
وفي إصلاح العقائد وإعادة بنائها يظهر أخيرا التوحيد العلمي ونفي الشرك.
37
كل ذلك يدل على أنه بالرغم من أن صفة الواحد واضحة في أصل الوحي، سواء كتصور أو كوضع عملي، إلا أنه أخذ وقتا طويلا حتى استقر في علم العقائد كوصف سادس للذات. (2) نقد الثنوية
بالرغم من أن الوحدانية، أي أنه واحد، تبدو وصفا ثبوتيا إلا أنها في الحقيقة وصف سلبي مثل باقي الصفات: المخالفة للحوادث، وليس في محل ، ومثل الوجود الذي يعني أنه ليس عدما، والقدم الذي يعني أنه ليس حادثا، والبقاء الذي يعني أنه ليس فانيا. فالواحد يعني أنه لا ثاني له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. ويستحيل أن يكون مركبا في ذاته أو له مماثل في ذاته أو صفاته أو يكون معه في الوجود مؤثر في الأفعال. وبالتالي ترتبط الوحدانية بالعدل فيما لا يتعلق بالتأثير وهو الشرك العملي.
38
ووصف الوحدانية موجه إلى الثنوية وإلى التثليث وإلى تعدد الآلهة، وكلها مظاهر للشرك. وهو موجه أساسا ضد الثنوية دون التثليث أو تعدد الآلهة لما دخلت عقائد النصارى في المخالفة في الحوادث ونفي الشبه. أما تعدد الآلهة فلم يكن عند القدماء في الحضارات القديمة المعروفة في الوعي الحضاري التاريخي إلا عبادة الأصنام والأوثان والشرك بوجه عام. كما أن التثليث وتعدد الآلهة يردان إلى الثنوية، وهي أولى مظاهر التعدد. كان ممثل الوثنية في الديانات القديمة الثنوية والمجوسية، ولكن الخطر الأعظم كان من الثنوية، فالمجوسية نوع من الثنوية. لذلك كان النقد كله موجها إلى الثنوية على أنها عقيدة مضادة للوحدانية.
ويغلب على هذا الوصف السادس: الوحدانية، تاريخ الفرق والديانات التي تقوم على الثنوية مما جعل علم أصول الدين يبدو وكأنه علم تاريخ أديان أو علم مقارن للديانات.
39
وتجمع فرق الثنوية كلها بنية واحدة تقوم على القول بصانعين قديمين، أحدهما نور والآخر ظلمة، الأول فاعل للخير والمنافع والثاني فاعل للشرور والمضار، وأن الأجسام ممتزجة من النور والظلمة. النور والظلمة متنافران صعودا وهبوطا ثم يتم مزج العالم منهما، وكل واحد منهما مشتمل على أربعة طبائع: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، والأولان منهما مدبران، والامتزاج والخلط غير واع كأن المبدأين مجرد قوتين عمياوين.
40
وفي حقيقة الأمر أن هذه الديانة التي تقوم على ثنائية مادية متعارضة الطرفين إنما هي صورة فنية تعبر عن ظروف سياسية واجتماعية، الصراع بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين العدل والظلم، وتظهر عند الجماعات المضطهدة، وتنتشر بينها. هذه كلها صورة وجدانية صرفة تعبر عما يكمن في وعي الأفراد والجماعات من معارك مكبوتة وآلام صارخة. فصورة الأخف والثقل تعبيرات وجدانية ومقامات صوفية. والامتزاج غير الواعي تعبير عن قوى الظلم والقهر اللاعاقلة.