41
والتفسير الوحيد الممكن لكل هذه المذاهب والعقائد هو ردها إلى بيئتها الاجتماعية التي منها نشأت وليس مواجهتها بالحجة والبرهان؛ لأنها موقف نفسي وليست موقفا عقليا. فسواء كان الامتزاج لا واعيا أم واعيا، أو كان أصلا ثالثا أم لم يكن، أو كان الأصلان جسمين قديمين فاعلين بالطبع أو بالاختيار لا يغير من فاعلية الثنوية كدين للمضطهدين وانتشاره بين جماعات الاضطهاد. وما أسهل على المنتصر من الرد عقلا على المهزوم، وما أسهل أن تحاور السلطة معارضيها داخل جدران السجون. إن الحوار الوحيد الممكن في هذه الحالة هو تغيير وضع الاضطهاد ورفع الظلم عن الجماعات المضطهدة، وبالتالي تختفي الثنوية عمليا دون الرد عليها نظريا. وما أسهل من إثبات عدم وجود الشر وأنه مجرد نقص أو درجة كمال أقل للذي لم يعان مرارة الاضطهاد وأهوال التعذيب داخل جدران السجون.
42
ومع ذلك يتأثر المنتصر بدين المهزوم احتواء لدين المعارضة وتصفية له من فاعليته وإعادة تفسيره لحساب السلطة فيصبح مبدأ الخير هو عالم الملائكة، ومبدأ الشر عالم الشياطين، ومبدأ الاختلاط عالم البشر.
43
وتبدو أحيانا الباطنية على أنها اسم للثنوية، وأن الثنوية إحدى فرق الباطنية. فالله خالق النفس، فهو الأول وهي الثاني، كلاهما مدبران للعالم. وقد يشار إليهما أيضا بالعقل والنفس يقومان بتدبير الكواكب السبعة والطبائع الأول.
44
والمرقونية إحدى فرق الثنوية تثبت معدلا بين النور والظلمة. فالنور والظلمة عند الامتزاج يفعلان العالم قصدا أو طبعا. لو تفرد النور مزاجه لم يقصد إلا الخير، ولو تفرد الظلام لم يقصد إلا الشر.
45
والحقيقة أن القصد والطبع شيء واحد، فالقصد تعبير عن الطبع والطبع قصد نظرا للوعي. وقد رد أهل السنة برفض العنصر الثالث مع أنه أقرب إلى الوعي والقصد. ورده إلى النور فيكون نورا أو إلى الظلمة فيكون ظلمة إنكار للمتوسطات، وبالتالي يكونون أقرب إلى الثنوية منهم إلى التوحيد. ولا يمكن الاتحاد بين النور والظلمة في شيء لتنافرهما. وقد بقي فكر السلطة ثنائيا أيضا لرفض عقائد المعارضة وإبقاء على الصراع بين الحق والباطل، حق السلطة وباطل المعارضة، ورفضا لأي محاولة للمصالحة أو للوحدة الوطنية.
والإشغانية إحدى فرق الثنوية ترى أن الظلام موات يقتضي الشر بطبعه، والنور حي يقع منه الخير قصدا. فالحياة والموت عنصران مثل النور والظلمة أو الخير والشر. ولكن الطبع أقل من القصد، فالحتمية أقل من الحرية. فإذا كان الخير يفعل قصدا فإن الشر يفعل طبعا.
46
في حين أنه عند فرق الثنوية كلها النور مطبوع على الخير لا يقدر على خلافه، والظلمة مطبوعة على الشر لا تقدر إلا عليه؛ وذلك لأن الآلام قبيحة لذاتها والملاذ حسنة لذاتها، وأن الفاعل الواحد يستطيع أن يكون لكليهما، فأثبتوا فاعلين. ونظرا لرد أهل السنة على الثنوية من منظور عقائد أهل السنة، فإنه صعب تفنيد نظرية الحسن والقبح العقليين التي يخاصمها أهل السنة مع أنه يسهل الرد عليها من منظور عقائد المعتزلة. فالحسن والقبح العقليان لا يتطلبان بالضرورة فاعلين. الطبع يثير المشكلة والاختيار يحلها.
والديصانية اسم آخر للإشغانية ترى أن الظلام موات فعال للشر بطبعه دون النور. ويرد أهل السنة بأنه إذا كان النور أشرف من الظلمة، إذ إنه حياة وقصد والثاني موات وطبع، فهو الأجدر بوصف الله. ولما ظهر بعد الخير والشر فأصبح المبحث أدخل في التعديل والتجوير، أي في نظرية العدل منه في التوحيد. ويبدو رد أهل السنة وجدانيا خالصا، إذ يكفي إعطاء الله أفضل طرف في القسمة وهو النور، وبالتالي تكون عقائدهم أحد ضحايا عقائد الثنوية.
47
وتقول المنانية (المانوية) بوجود إلهين خالقين حسيين، خالق للخير والنور والضياء، وخالق للشر والظلمة والبلاء. وكانت أقرب إلى التنزيه وذلك بتنزيه الله عن خلق الظلمة والبلاء والهوام والسباع بناء على نظرة متطهرة تبرئ الله من فعل الشر. فالنور يصعد إلى أعلى والظلمة تهبط إلى أسفل. ومع أن المزاج القديم لعلته إلا أن النور والظلمة متناهيان من بعض أجزائهما لذرع الأرواح لها. أما بلاد الهمامة فإنها لا تتناهى في الذرع والمساحة ومن ثم تذرعها الأرواح اللامتناهية. وتفعل الأرواح الصدق والكذب والذنب والاعتذار والإساءة، جنسين مختلفين، خيرا وشرا. وقد شارك المعتزلة في الرد عليهم بأن ذلك نسق متناقض بين التناهي واللاتناهي واستحالة قطع ما لا يتناهى. والحقيقة أن الأسطورة لا يحكم عليها بالاتساق أو بالتناقض، بل بكشفها وتصويرها لموقف نفسي اجتماعي لجماعة معينة. اللاتناهي يعبر عن التمني، والمتناهي يعبر عن الواقع. كما تكشف عن الأساس الأخلاقي في السلوك وبتداخل الشر مع الخير ومزاحمته له، وهي التجربة الحية لجماعات الاضطهاد.