تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

132

فإذا كانت رؤية الله في الدنيا عليها خلاف بين أهل السنة، فإن رؤيته في الآخرة عليها اتفاق نظرا لسهولة الإجماع عليها نظرا لغياب الدليل، ولأن الآخرة طبقا للشعور تسمح بإمكانيات أكثر مما تسمح به الدنيا، فالعلاقة بينهما علاقة اللانهائي بالنهائي. فهو مرئي يوم القيامة من غير موازاة ومقابلة ومواجهة ودون شعاع خارج أو داخل. رؤية قلبية أكثر منها عينية. وقد تحدث الرؤية من جانب الموضوع، أي الله عندما ينكشف لعباده المؤمنين في الآخرة انكشافا تاما من غير ارتسام صورة المرئي في العين أو اتصال شعاع خارج من العين إلى المرئي. فالرؤية لا تكون بالعين إطلاقا لما كانت العين لا تقوى على النظر إلى الشمس في الدنيا، ولكنها قادرة على ذلك في الآخرة.

133

والحقيقة أن هذا تحايل على الموضوع وإدراك لصعوبة الرؤية في الدنيا وخوف من نفيها، وبالتالي لا يبقى إلا إثباتها في الآخرة التي يسهل افتراض كل شيء فيها، إذ لا يعلم أحد عنها شيئا، وليست موضوعا للحس أو العقل، ولا نعلم عنها شيئا إلا بالخبر، والخبر دليل ظني طبقا لنظرية العلم. ومع ذلك فالآخرة شعوريا تعويض عن الدنيا، ورغبة في الاستمرار في الحياة بعد الانقطاع بالموت، وكشف العالم طبقا لقوانين العدل. فالآخرة ليست مكانا أو زمانا موضوعيا بل عالم التمني عندما لا يتحقق بالفعل. يختلط فيها المكان بالزمان، فيتصور المكان خارج العالم ثم يوضع في الزمان. وهو عالم شعوري كما لاحظ الحكماء والصوفية يعبر عن حالات ذهنية أو نفسية تهدف إلى التأثير في سلوك الناس وليس عالما ماديا موجودا بالفعل. ويبدو هذا الخلط في إثبات الرؤية في الآخرة ليلة الإسراء والمعراج، مع أنها ليلة في الدنيا مما ينفي الرؤية في الدنيا. وإذا كان لا بد من إثبات الرؤية فأيهما أفضل، إثباتها في الدنيا أم في الآخرة؟ إثباتها في الدنيا قد يعلم عنها ويخبر بها ويستفاد منها في حياة الناس، أما إثباتها في الآخرة بعد انتهاء الوقت وبعد الامتحان فلا يفيد أحدا. اللهم إلا إذا كان جزاء للمؤمنين، نعيما ولذة، مكافأة لأهل الجنة، وبالتالي تثبيت الرؤية بناء على أخلاق الثواب والعقاب، ومكافأة حسية تدل على حرمان وكبت وتعويض واهم عن مساوئ النظر في الدنيا. والرؤية القلبية في النهاية هي تأويل يتحاشى كيفية الرؤية كما يتحاشى إثبات الرؤية ونفي الكيفية حتى لا يثبت الشيء وينفى في وقت واحد، خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف، مثل جسم لا كالأجسام، وشيء لا كالأشياء، تحصيل حاصل، إقدام وإحجام، «محلك سر»، مثل عبارات السياسيين والقادة التي لا تقول شيئا: «نحن لم ننتصر ولم ننهزم.»

والأدلة النقلية لإثبات الرؤية في الآخرة هي نفس الأدلة على إثبات الرؤية بوجه عام، سواء من القرآن أو من الحديث أو الإجماع.

134

فآيات القرآن لا تعني الرؤية بل النظر والاعتبار والتفكر أو تحقيق الغاية. والأحاديث آحاد معارضة بأحاديث أخرى. والإجماع له حدود في علم الأصول.

أما الأدلة العقلية فهي معتمدة أيضا على الأدلة النقلية تفسيرا وتأويلا واستنباطا. فسؤال موسى لا يعني فقط إمكانية الرؤية، ولكنه أيضا يفيد الاستحالة بدليل الرد الحاسم بالنفي. والسؤال وإن بدا في ظاهره شرعيا إلا أنه في الحقيقة لا شرعي يدل على اغتراب الإنسان، والقصد منه أن يرد الإنسان إلى وضعه الطبيعي كموجود في العالم، ويكشف إمكانياته وموضوعاته ووجوده وسط الأشياء. كما أن تعليق الرؤية باستقرار الجبل، والجبل مستقر، إحالة إلى الجبل، أي إلى العالم الطبيعي وإلى الكون بدلا من الخروج عنه والذهاب إلى ما ورائه. كما أنه إثبات للسكون والثبات وأن تتحول النظرة من خارج العالم إلى داخله. وتستحيل الرؤية الحسية نظرا لحاجتها إلى المكان والجهة والطول والعرض والعمق، وهي كلها من صفات الحدوث. كما أن الهدف من الاستحقاق ليس هو الجنة بالضرورة ونعيمها ولذة الرؤية إلى الله، وإلا كانت رؤية الله مثل نكاح الحور العين والأنهار التي من عسل مصفى والتين والزيتون والرمان. تعالى الله عن هذا الوصف وعن هذا المستوى من الموضوعات. وقد تكون رؤية الأنبياء، لو صحت، حالة خاصة، وليست حالة عامة، ومع ذلك فالأنبياء بشر، والله واحد، وما ينطبق على البشر في الرؤية ينطبق على الأنبياء. واختصاص الأنبياء في الوحي في التشريع وحده (تحريم الزواج من زوجات النبي) وليس في أمور العقائد. والصديقيون مثل الصوفية، ينطبق عليهم ما ينطبق على الأنبياء وعامة الناس في الرؤية، أي لا اختصاص لهم في ولاية أو كشف أو رؤية. وكيف تكون الرؤية جائزة في الجنان عقلا وموضوع المعاد نفسه موضوع سمعي؟ وكيف تكون جائزة عقلا تحقيقا لوعد الله، والوعد والوعيد أيضا من أمور المعاد وهي من الأمور السمعية؟

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٩١