تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

135

ولا يمكن القطع في موضوع سمعي. كما أن اعتبار الرؤية مكافأة يقوم على أخلاق الثواب والعقاب وليس على أخلاق الحسن والقبح لذاتهما. ومن ثم يكون موضوع الرؤية أدخل في الأخلاق التجارية المادية الحسية.

وقد اتفق الصوفية مع الأشعرية على إثبات هذه الرؤية الذاتية مما يدل على أن الموضوع أيضا موضوع صوفي وليس فقط موضوعا عقائديا.

136

فالرؤية بمعنى الانكشاف يوم القيامة علم ضروري، وكل من ينكره ينكر الرؤية. الرؤية بالقلب تبدأ بالحس ويحفظها التخيل ثم تنتقل إلى التصور. التخيل والتصور إدراك ورتبة أعلى من الحس في الوضوح والكشف وكمال النفس. ولما كان ذات الله وصفاته لا يدرك بالحس فإنه يدرك بالخيال والتصور مباشرة. ولا يتم ذلك والنفس في شغل البدن وكدورة صفاته محجوبة عنه. الشاغل والكدر مانعان للرؤية، والتصفية والتنقية شرط لها. يتم إثبات الرؤية إذن إما بإثبات الصفات كما هو الحال عند الأشاعرة أو بالتأويل الحرفي للنصوص كما هو الحال عند المشبهة والحشوية وبعض الفقهاء أو بالتجسيم كما هو الحال عند المجسمة، أو بالرؤية الباطنية كما هو الحال عند الصوفية.

إثبات الرؤية في الآخرة إذن تركيب خطأين أحدهما على الآخر. فالرؤية ليست الإدراك الحسي والموضوع ليس الموضوع الحسي. والرؤية تتم في هذا العالم وليس في عالم آخر لا ندري عنه شيئا إلا عن طريق النقل، والنقل ظن. الخطأ الأول تأكيد مادي، والثاني افتراض وهمي. والمادة والوهم نقيضان يلتقي أحدهما بالآخر كما يلتقي كل طرفين. (4-3) نفي الرؤية الموضوعية

لما كان إثبات الرؤية الذاتية خطوة نحو نفي الرؤية الموضوعية عن طريق قلب النظرة من الخارج إلى الداخل، ومن الإبصار إلى الإدراك، ومن رؤية العين إلى رؤية القلب، فإن نفي الرؤية الموضوعية هو الخطوة النهائية للقضاء على جسمية الله وتصوره كموضوع حسي للرؤية. في حين أن الجدل يجعل نفي الرؤية الموضوعية نقيض إثباتها وأن إثبات الرؤية الذاتية هو مركب الدعوى ونقيضها.

137

ويقوم نفي الرؤية الموضوعية كذلك على السمع والعقل، وبالتالي لا يصبح إثباتها أولى من نفيها وتتعادل القضية.

138

وبقدر اعتماد الإثبات على الحجج النقلية يعتمد النفي على الحجج العقلية. وإذا كان الإثبات يعتمد على الحجج النقلية أكثر من اعتماده على الحجج العقلية، فإن النفي يعتمد على الحجج العقلية أكثر من اعتماده على الحجج النقلية. وكل فريق أقرب إلى نسقه العام من حيث أولوية النقل على العقل أو أولوية العقل على النقل. فالله عند الفريق الأول يفعل ما يشاء، ورؤيته إرادته، وبالتالي تثبت الرؤية. والله عند الفريق الثاني لا يفعل القبيح، ورؤيته قبح، وبالتالي تستحيل الرؤية.

والحجج النقلية على نفي الرؤية كثيرة، أشهرها:

لا تدركه الأبصار

إشارة إلى حدود الرؤية وإمكانياتها واستحالة إدراك النسبي للمطلق إدراكا عينيا مباشرا على الإطلاق دون استثناء، سواء من حيث وسيلة الرؤية بالقلب أو العين الباطنة مثلا، أو مكان الرؤية وزمانها (في الدنيا فقط دون الآخرة).

139

وكذلك

لن تراني

حتى يرد الإنسان إلى العالم ويقضي على اغترابه. وقد كان موسى مغتربا، تاركا العالم، باحثا عن شيء آخر، مشمئزا من عصيان قومه، باحثا عن الله فوق الجبل وخلف النار، لا فرق في ذلك بين الإبصار والإدراك أو بين الإدراك والرؤية. وكذلك

وهو يدرك الأبصار ، أي أنه ذات وليس موضوعا، يرى ولا يرى، يدرك ولا يدرك، فهو ذات خالص لا ينقسم على نفسه إلى ذات وموضوع، ولا يتحول إلى موضوع.

140

وأيضا:

وما كان لبشر أن يكلمه الله ...

أي استحالة الرؤية، ليس فقط في وقت الكلام، بل في كل وقت. وكذلك:

فقد سألوا موسى أكبر من ذلك

أي استعظام واستنكار طلب الرؤية. وأيضا:

وقال الذين لا يرجون لقاءنا

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٩٢