تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

128

والحقيقة أن ما يحدث في النوم هو رؤيا وليس رؤية، وحلم وليس إبصارا، وأدخل في تحليل مضمون الوعي والحالات النفسية منه في تحليل الحواس وموضوع الإدراك. تستحيل الرؤية الحسية في النوم نظرا لعدم توفر شروط الإدراك من وجود حاسة على صلة بموضوع وتوفر وعي يجعل الإدراك الحسي ممكنا. قد تكون الرؤية في هذه الحالة هي الحدس الذي يرى مضمون الشعور في حالة اليقظة وليست رؤية العين لموضوع مادي. وتكون اليقظة عند الصحو وليس عند النوم وإلا كانت الأحلام رؤية. والفرق بين الرؤية والحلم هو الفرق بين اليقين والظن، بين الإدراك المباشر وبين التأويل. بل إن الحلم منه ما قد يكون صادقا، ومنه ما قد يكون أضغاث أحلام. وكيف يمكن تفسير الأحلام وتأويلها؟ إن لم تتم الرؤية في حال اليقظة فإنها لا تتم في حال النوم حيث تغيب الرقابة. أما تفسير الأحلام فموضوعه تحليل اللاشعور ومعرفة الرغبات المكبوتة والمتمناة التي لم تتحقق بعد.

وقد يتم التحايل لإثبات الرؤية بعدة افتراضات حول كيفية الرؤية. مثلا: لا تكون الرؤية بالتحديق وإمعان النظر، بل رؤية عادية على نحو معين.

129

وهو افتراض يقوم على نفي المشابهة بين رؤية الله ورؤية أي موضوع آخر، مجرد نفي دون إثبات. قد تكون الرؤية بالتحديق وإمعان النظر، وقد لا تحتاج إلى تحديق وتكون مجرد رؤية عادية. والتحديق مغالاة في الرؤية وتعبير عن الدهشة كما يحدث في العالم من اتساع الحدقة حين رؤية الموضوع غير العادي. وقد تتم الرؤية بعد تهيؤ العين للإدراك، فالحواس لا تعمل إلا من خلال الشعور. وقبل هذا الإعداد لا تحدث الرؤية، فالرؤية البصرية بلا إدراك مجرد انطباع حسي ينقصه الوعي حتى يتحول إلى إدراك. وهذا هو سبب التفرقة بين الإبصار والإدراك. فإذا كانت الرؤية بالإبصار ممكنة، فإن الإدراك بالإبصار غير ممكن. الإبصار حس في حين أن الإدراك يتجاوز الحس إلى شرطه وهو الوعي أو الانتباه أو اليقظة. وهي التفرقة التي تحاول الجمع بين الحواس الظاهرة والباطنة، فالرؤية تتم بالعين ولكن الإدراك أي الوعي بالشيء يتم برؤية الشعور للماهيات وإدراكه للمعاني.

130

وقد تتم الرؤية بتغير في موضوع الرؤية ذاته وتشكله في صورة أخرى حتى يمكن للعين رؤيته. وهذا في الحقيقة احتيال من الله وإظهار نفسه على غير صورته أو تقلب وتغير، وهو ما يستحيل على الله. كما أن رؤية صورة الله ليست رؤية لذاته. وهو أقرب إلى القول المسيحي، وكما هو معروف في تاريخ الأديان، أديان الوحي أو ديانات الطبيعة بأسماء التجلي والتشكل والتناسخ وظهور الله في صور شتى على ما يقول أصحاب التناسخ والحلول والمجسمة بوجه عام.

131

فإذا ما استعصى التحايل على وظيفة العين أو على موضوع الرؤية يفترض وجود حاسة خاصة تتم بها وهي الحاسة السادسة! وهي ليست العين المجردة، بل أقرب إلى القلب أو الشعور. وقد تكون إحدى وظائف الشعور الباطنة. وليس السؤال كما وضعه القدماء هو قدرة الله على خلق حاسة سادسة، فذلك تحويل لموضوع الرؤية إلى موضوع القدرة، إنما عن كيفية الرؤية. فكون المؤله قادرا على أن يرى نفسه لعباده لجوء إلى افتراض القدرة، واعتماد على برهان السلطة والعظمة وليس افتراضا عقليا. إنه افتراض شعوري خالص ناتج عن عواطف التأليه للإجابة على مشكلة واقعية هي موضوع الرؤية. وفي الحقيقة أن الحاسة السادسة هي الحدس الذي به تتم رؤية الماهيات في الشعور. فالشعور ليس مجموعة من الحدوس الظاهرة والباطنة، بل هو موطن الحدس، هو الذات العارفة أو الوجود الإنساني من حيث هو ذات عارفة، وهو ليس حاسة سادسة لها مركز ووظيفة ومحل، بل هو الشعور الواعي اليقظ. ويقترب هذا الحديث مما يقوله الصوفية عن العين الباطنة. ويكون السؤال: ما الدليل على وجودها؟ ما مقياس صدقها ومعيار صحتها؟ وكيف تتم بها الرؤية في الآخرة ولم تتم بها في الدنيا؟ إنها مجرد حاسة فاضلة شريفة تتفق مع جلال الموضوع وشرفه. الحاسة السادسة أفضل وأعلى من الحواس الخمس العادية، ومتسقة مع علو الموضوع وشرفه. هو مجرد افتراض محض عن طريق التمني والحصول على مكاسب بمجرد تخيل الوسائل.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٩٠