وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون (17: 59). وأصبح العقل قادرا على الوصول إلى الحق، والإرادة قادرة على تحقيق الفعل. (4-2) هل يمكن إثبات الرؤية الذاتية؟
وهي محاولة لإثبات الرؤية دون وقوع في التجسيم أو التشبيه بالتجاوز عن شروط الرؤية من مسافة ومقابلة وشعاع وملامسة، ومن ثم تنتفي الرؤية الموضوعية، وينتفي خطر تحويل الله من ذات إلى موضوع.
فالرؤية باطنية كشفية داخلية ينعم بها المؤمنون وحدهم دون الكافرين في هذه الدنيا . والحقيقة أن هذا هروب من الموضوعية إلى الذاتية وترك الذاتية بلا أحكام أو منطق، فتصبح ذاتية فارغة. كما أن هذه القسمة أمر سابق لأوانه، إذ إنها لا تتحدد إلا في الحكم النهائي في اليوم الآخر. كما تفسح المجال للأنانية والغرور، إذ قد يدعي كل فرد لنفسه الإيمان ويتهم الآخرين بالكفر. وما دامت الرؤية ذاتية ينتفي منها صفة الموضوعية، وبالتالي يمكن للمسيحي أن يرى مريم العذراء والسيد المسيح طبقا لإيمانه ولا يراها سواه، مما يطلق العنان للخيالات والأوهام. كما ينتفي منها الشمول والموضوعية وأي مقياس للصدق أو اليقين.
123
ولما كان الأنبياء نموذج المؤمنين، كانوا أقدر الناس على رؤية الله. والحقيقة أن هذا إعطاء للأنبياء دورا أكثر مما لهم. فالنبي ما هو إلا رجل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، يوحى إليه ليبلغ الرسالة وليس له أية درجة فوق درجة البشر.
124
وقد تكون الرؤية على قدر الأعمال. فالعمل الصالح يساعد الشعور في الرؤية، والممارسة نوع من العلم.
125
والحقيقة أنه حتى في هذه الحالة تختلف الرؤية من فرد إلى فرد باختلاف درجات الأعمال، وتكون رؤية ذاتية خالصة. وكيف يكون موضوع الرؤية متفاوتا في الدرجة طبقا للأعمال؟ ماذا يساوي نصف عمل أو عمل كامل في الرؤية؟ هل تنقسم الرؤية إلى درجات طبقا للأعمال، رؤية قوية وأخرى ضعيفة، وبالتالي لا يكون للكافرين رؤية؟ وماذا عن صاحب الأعمال الصالحة دون إيمان أو إقرار؟ وهذا في الحقيقة إحالة لموضوع الرؤية إلى موضوع النظر والعمل.
126
وهل ما يرى هو ذات الله أم القدرة على الثقة بالنفس والعلم والبصيرة بالأشياء والوعي بالعالم والدراية بالكون؟ وماذا عن المغفرة؟ أليس هذا ادعاء وغرور من المؤمنين؟ كل منا يدعي الإيمان ويتهم الآخر بالكفر. أليس الإيمان والكفر نتيجة للعمل الصالح ومشروطين به؟ فالرؤية بهذا المعنى تتم للشعور اليقظ وليس الغافل، وللشعور الباطن بالتقوى وليس بالمظاهر الخارجية. ليس المفر إذن من افتراض الرؤية في الآخرة بعد أن ينكشف كل شيء ويعلم حقيقة المؤمن من الكافر.
فإن لم تتم الرؤية للجميع دون التمييز بين مؤمن وكافر ، فإنها تتم للأخيار وحدهم في الدنيا والآخرة. فالرؤية على قدر الأعمال، العمل الصالح يساعد الشعور على الرؤية، والعلم يأتي من الممارسة. وهنا تكون الرؤية ذاتية خالصة، تحدث للبعض دون البعض الآخر. والرؤية الذاتية قد تكون مجرد إسقاط نفسي أو تركيز القلب كي يخلق موضوعه أو نوعا من الهلوسة. في حين أن غير المؤمنين قد يكون لهم شعور محايد لا يرون المعبود لحياد شعورهم وسلامته من كل انفعالات، وهو الشعور الذي لا يرى إلا ما هو موجود في الواقع. لذلك جعل الأصوليون وعلماء الحديث حياد الشعور من شروط موضوعية الرواية التي من أجلها تم استبعاد رواية أهل الأهواء ومنهم المتكلمون. وكان الإسلام أحد شروط حياد الراوي في أخبار الآحاد لأنه مضاد للهوى.
وقد تحدث الرؤية في وقت معين دون وقت طبقا لحالات الفرد النفسية ودرجة تقواه ولحظته الصادقة المتميزة. وهي في الحقيقة لحظات الإبداع ورؤية الحقائق وليس رؤية الله كموضوع.
127
وقد تحدث الرؤية في حالة النوم دون اليقظة، إذ يستحيل في اليقظة بمعنى مواجهة الحس لموضوع الرؤية.