59
ثم يدخل عامل الحركة وحده في الجسم دون أن يرتبط بالمكان. حينئذ يكون المعبود جسما يذهب ويجيء، يتحرك ويسكن، يقوم ويقعد.
60
فالحركة في التجسيم لا تعني الزوال والتغير، بل هي تعبير عن الإرادة. وقد تم الخلق بالإرادة، والإرادة حركة، وعلى عكس الحكماء الذين تصوروا خلود الله وعظمته في السكون لا في الحركة وفي الثبات لا في التغير. هناك إذن تصوران للحركة في علاقتها بالألوهية: الأول أنها مظهر من مظاهر النقص، وأنها تعني الزوال، وأن الثبات أشرف منها، وهو تصور الحكماء. والآخر أن الحركة مظهر من مظاهر الكمال، لا تعني الزوال، وأنها أشرف من الثبات، وهو تصور المجسمة. وقد يجمع معبود المجسمة بين الأضداد، بين الحركة والسكون، بين القيام والقعود، بين المجيء والذهاب. فالتضاد هو منشأ الحركة، والحركة تنشأ بين الأضداد على عكس الحكماء الذين تصوروا الله لا ضد له. هناك إذن أيضا تصوران للأضداد، الأول أنها مظهر من مظاهر النقص وأن التطابق أشرف من التضاد وهو تصور الحكماء، والثاني أنه مظهر من مظاهر الكمال وأنه أشرف من التطابق وهو تصور المجسمة، فالحركة تدل على حياة الروح أكثر مما يدل عليها السكون.
وتفصل الحركة، فإذا تحرك المعبود فإنه يتحرك تدريجيا لا بالطفر. فالبطيء تعبير عن الجلال والعظمة في حين أن الطفر تعبير عن الطفولة والخفة. يسير الملك والقائد العظيم ببطء، في حين يسير الطفل أو الشاب أو المجنون قفزا. قد يقال إن القفز تعبير عن قدرة أعظم كما هو الحال في عقل الذكي الذي يقفز المتوسطات أو عند الرياضي الذي يعدو قفزا أو لدى أشيل بالنسبة إلى السلحفاة في أساطير اليونان.
61
ولكن الصورة الفنية تقبل كل شيء طبقا لعواطف الخالق لها، ولا تعبر عن واقع بل تعبر عن إحساسات الفنان. والمجسم فنان يستعمل العبارة والصورة وإن لم يقل شعرا أو يرسم صورة.
62
ويتأكد المكان والحركة كصفات للذات بعد إثبات الصفات زائدة على الذات، كما هو الحال عند الأشاعرة.
63
ويثبت أهل السنة النزول والصعود والإتيان والمجيء اتباعا لظواهر النصوص وليس قولا بالتجسيم. وهو ناتج عن إثبات الصفات زائدة على الذات وإيمانا بنصوص النزول وتصديقا لها تصديقا حرفيا. فالمؤله يصعد ويهبط، يجيء ويذهب، يسكن ويتحرك، ينزل إلى السماء الدنيا، ويجيء يوم القيامة ويقرب من خلقه. ويؤول المعتزلة النزول بمعنى اللطف والرحمة مما يدل على علو الشأن والمرتبة والاستغناء الكامل المطلق على ما هو معروف في استعمال اللغة. فهو مجاز، وأصل الوحي مملوء بالمجاز. كما يعني التلطف في حق الخلق والترفع للتكبر، ويستحيل النزول بمعنى الانتقال. كما يعني
وجاء ربك
أي جاء أمر الله وقضاؤه الفصل وحكم العدل وليس بمعنى الانتقال. ويعني
فأتى الله بنيانهم من القواعد
أي استهلكها واستأصلهم. وقد يعني التهكم على أقوال المجسمة أو الإقبال على العباد،
64
وكأن هناك مؤامرة مقصودة لتحويل أفعال الله إلى ذاته، وأثره في العالم إلى أثره على نفسه وعكس أفعاله على ذاته، حتى يغترب الإنسان عن العالم ويتوقف نظره فيه تاركا العالم للمسيطر والقاهر والناهب والسالب، وهي مؤامرة تحويل «الأنثروبولوجيا» إلى «ثيولوجيا».
65 (4) الرؤية
تبدو الرؤية عند القدماء على أنها أول وصف بل الوصف الوحيد للذات وقبل الصفات نظرا لأهميتها. وتبدو وكأنها الموضوع الأوحد في الذات نظرا لأهميتها وحمية النقاش حولها.
66
كما تبدو وكأنها أول المسائل المختلف عليها في العقائد. وأحيانا تبدو في المقدمات الخطابية إثباتا لها في إعلان العواطف الأولى مع التسبيحات والتحميدات.
67
وفي المؤلفات المتقدمة تذكر الرؤية بلا عد أو إحصاء في نهاية الأوصاف والصفات وبعد موضوع العدل بلا ترتيب.
68
وتذكر بعض أوصاف الذات وصفاتها وبعد صفات التشبيه من وجه وعين ويد واستواء وصفات الانفعال من حقد وحنق وميل ونفور.