تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

44

قد يعني المكان الحضور والمعية.

45

قد يعني العرش الملك، والكرسي العلم، وهو الأقرب إلى التقوى. فالتنزيه موقف تقي عقلي. وإمعانا في التقوى قد يتم نفي كل شيء، نفي الصفات تجنبا للتجسيم والتشبيه وحلا للقضية من الأساس.

46 (3) المكان والحركة

وقد يخف التشبيه ويصبح العرش مجرد مكان يقوم مقام ظرف المكان في اللغة. فالاستواء يعني الفوق لما كان الفوق أشرف من التحت.

47

ثم يدخل المكان كعالم في تحديد الجسم فيكون المعبود في مكان دون مكان، في مكان لأنه جسم محدود دون مكان لأنه خالد أبدي. ويمكن تفسير ذلك تفسيرا نشوئيا فيقال إنه كان لا في مكان ثم حدث المكان بحركته لأن الحركة لا تكون إلا في مكان طبقا لثقافة العصر من ارتباط المكان بالحركة واعتبار المكان عدد الحركة.

48

وقد يطلق المكان فيصبح المؤله في كل مكان. ثم يتضخم المؤله أكثر فأكثر، زيادة في التعظيم، فيصبح فائضا عن جميع الأماكن، في حين أن «في كل مكان» تعني في التنزيه حفظ الأماكن.

49

وقد يطلق المكان سلبا فيقال إن الله ليس في مكان دون مكان وليس في أي مكان على الإطلاق، فالمكان يوحي بالتجسيم والمماسة والمجاورة والحد والله ليس كذلك.

50

فلا مكان ولا زمان قبل الخلق.

51

وكما أنه ليس جسما فإنه لا يرى، فإنه أيضا ليس في مكان ولا في جهة ولا يحل في شيء ولا يماس شيئا. فالمكان يوحي بالتحديد والحركة والمماسة ويفترض الشيئية والجسمية. ومن ثم استطاع التنزيه نقل الشعور من المكان إلى خارج المكان وإعادة التوازن له. ونفي المكانية على الإطلاق أقصى درجة من درجات التنزيه قائمة على عاطفة خالصة وباعث صوفي عقلي أو نظرة قائمة على التطهير. المكان نقص، والله خال من كل نقص. ما أسهل تحويل المكان إلى الزمان، فيكون الله أزليا أبديا، لا أول له ولا نهاية، نظرا لارتباط الزمان بالمكان.

52

ويظل أفضل طريق عند المعتزلة هو طريق التنزيه، أي طريق النفي، ويشاركهم فيه أهل السنة نظرا لارتباط المكان بالزمان.

53

وهو نفس الطريق الذي يتبعه الصوفية في تنزيه الله عن المكان.

54

ليس في مكان دون مكان لأن ذلك يوحي بالتجزئة والكائنية معا. ويظل التأليه مرتبطا بالعام يجمع بين الطرفين، الغائب والحاضر، العقل والواقع، المادة والصورة.

55

وهو ليس في مكان لأن ذلك يوحي بالتجسيم والحلول من ناحية والمكانية العامة من ناحية أخرى. والقول بأنه لا في مكان أو في كل مكان يرجع إلى أصل شعوري واحد، وهو رفض ثنائية الوجود بين المكان واللامكان. فالقول بأنه لا في مكان محو له من المكان والقول بأنه في كل مكان محو لذاته. وفي كلتا الحالتين يكون المحو.

ويورد أهل السنة أدلة لنفي الجهة مثل الأدلة على نفي الحدوث والمشابهة للحوادث، وهي حاجة القائم في المحل للاختصاص والافتقار والاحتياج، وهي كلها حجج عقلية لا تحل الموضوع في مستواه الشعوري مثل: لو كان في مكان للزم قدم المكان، التمكن محتاج إلى مكان والمكان مستغن عن التمكن، لو كان في مكان لكان إما في بعضه أو في كله وكلاهما باطل، لو كان جوهرا فإما ينقسم أو لا ينقسم وكلاهما باطل.

56

ويمكن تأويل آيات المكان كما فعل المعتزلة إما بمعنى أن كل مكان تعني أنه مدبر أو بمعنى حافظ للأماكن وذاته في كل مكان.

57

وكذلك تأويل لا في مكان بمعنى لم يزل عليه. ولما كان المكان هي الجهة، والأعلى أشرف من الأدنى، يرفع الإنسان يديه إلى السماء نظرا إلى الله طلبا ودعاء.

58

فالسماء رمز العلو والأرض السفل في المجتمعات السيطرة أو المغلوب على أمرها. وقد تتغير الصورة الآن بنظر المحتلين إلى الأرض وليس إلى السماء، وتقبيل الأرض، وأخذ حفنة من التراب تقديسا للأرض. والحقيقة أنه في مبحث المكان يتصارع الفكر العلمي مع الفكر الديني. يريده الفكر العلمي موضوعا طبيعيا، ويريده الفكر الديني موضوعا إلهيا لا حل لمسائله مثل هل المعبود في مكان أم في كل مكان أم لا في مكان إلا طبقا لعواطف التأليه واختلافها بين التشبيه والتنزيه. وهي مجرد تمرينات عقلية لا حل لها ولا هدف إلا إظهار قطبي الشعور بين التشبيه والتنزيه. وبالمثل لا تحل مسألة الجهة إلا بالانتقال من الطبيعيات إلى التصوف أو من المكان إلى الزمان أو من الموضوع إلى الذات أو من الخارج إلى الداخل. فقد يكون المكان في الشعور على ما يقول الصوفية. ومن ثم تعود المكانية إلى أصلها في الشعور، ويصبح المعبود تجربة شعورية خالصة. فمقولة المكان لا تدل على عالم خارجي توجد الموضوعات به، بل تدل على تواجد الشعور في العالم. المكان تجسيم للعالم وتحديد وتعين له، في حين أن العالم مكان النشاط ومحل للفعل.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٨٢