ويظهر الفكر الديني صراحة في مفاهيم التناهي والحدوث، وفي سؤال النشأة، بل وفي التقابل بين الجوهر والعرض، والقدم والحدوث، واللاتناهي والتناهي، وفي القفزة التي ينتقل بها المتكلم من عالم الأذهان إلى عالم الأعيان، ومن الأمور الاعتبارية إلى الحقائق الوجودية، ومن العلم «بالله» بالذهن إلى وجوده بالفعل. فلولا إدانة العالم بالحدوث والتناهي بناء على افتراض ديني مسبق بأن «الله» لا متناه وقديم لما أمكن صياغة مقدمة مثل استحالة حوادث لا أول لها، وتصبح ممكنة بقدم الجواهر. حدوث العالم ذاته بالتجرد التام عن الافتراض الديني المسبق في حاجة إلى إثبات. إلا أن إثباته يأتي من عاطفة دينية وموقف إيماني صرف لا يقوم على شهادة حس أو حكم عقل أو بداهة وجدان طبيعي لم يضعفه بعد الإيمان الديني. ولماذا يكون المتناهي في المقدار دليلا على الحدوث؟
37
في حقيقة الأمر هذا فكر ديني مقلوب؛ لأن «الله» هو اللامتناهي القديم، فكان العالم هو المتناهي المحدث. قد يكون التناهي دليلا على العظمة، الإنسان المتناهي، العمر المتناهي، اللذة المتناهية، الحب المتناهي، الألم المتناهي، الغياب المتناهي، بل وحتى الجبل المتناهي، والطعام المتناهي ... إلخ. قد لا يفيد التغير والفناء أي حدوث، بل يشير إلى بناء الطبيعة. التغير جوهر الطبيعة، وبين التغير والحدوث فرق كبير. التغير يحدث في الطبيعة ومن الطبيعة، ولا يدل على شيء آخر غير التغير والتطور والارتقاء، ولا يشير إلى أي ذات مشخصة تحدث هذا التغير كما هو الحال في صور التفكير العلمي البدائي الذي يفسر الظواهر بقوى وملكات غيبية قادرة على إحداث هذه الظواهر. فالمطر يحدث بالقوة الممطرة، والحرارة بالقوة المحرة، والبرودة بالقوة المبردة ... إلخ.
38
ولماذا افتراض التركيب والقسمة في كل شيء كأحد مظاهر التناهي أو الحدوث؟ الأجسام قد تكون بسيطة لا تركيب فيها. الإنسان بسيط، ولو كان مركبا لما كان إنسانا، والشيء بسيط، ولو كان مركبا لما كان شيئا.
39
والزمان الطبيعي موضوع لدراسة علم الطبيعة دون افتراض وجود لا زماني وراء الزمان. وينتهي الدليل بالتصور الشائع وهو أن العالم مخلوق، أحدثه «إله» قديم، خالق، وهو التصور الذي يعبر عن أثر التأليه في إدراك الطبيعة، وعن اعتبار الثابت والدائم والخالد والباقي الأصل والأساس خارج الطبيعة. ويكون السؤال: لماذا الانتقال من الحدوث إلى أن المحدثات لها أول؟ إن إثبات ظاهرة وإدراك معناها لا يعني بالضرورة أن هذه الظاهرة لها أول، سواء كان معناها أم غيره. صحيح أن المعنى مستقل عن الظاهرة، ويتحكم في بنائها ووجودها وتطورها، ولكن ذلك لا يعني أنه أول الظاهرة وأصلها ونشأتها، فسؤال الأصل والنشأة قضاء على المعنى المستقل، وتحويل الظاهرة إلى صنعة والمعنى إلى صانع، في حين أن الظاهرة موجودة والمعنى مستقل محمول عليها ونسبته إليها كنسبة الدلالة إلى الدليل. وحتى على فرض تشخيص النشأة لماذا يوصف الصانع بصفات مناقضة للعالم المصنوع؟ إذا كان المصنوع حادثا يكون الصانع قديما؟ إن الصانع من جنس المصنوع أقرب، فالفنان حادث كما أن فنه حادث لأنه أيضا يتشكل.
والأقرب إلى العقل وشهادة الحس ومضمون التجربة البشرية اتفاق الصانع والمصنوع في الصفات أكثر من اختلافهما، باستثناء الفكر أو الوعي أو الشعور. فالصانع واع بفنه وعالم به وقادر عليه، في حين أن المصنوع طبع متشكل يخضع لعمل الفنان. وما الذي يمنع من وجود حوادث لا أول لها؟ لماذا يستحيل وجود حوادث لا أول لها؟ يمنع من ذلك فقط بناء العقلية المتدينة التي تظن أن الحوادث لا بد أن يكون لها أول حتى لا نشارك مع «الله» في صفة الأول؛ لأن «الله» أول الأشياء. يمكن للأشياء أن تتسلسل إلى ما لا نهاية من حيث الأول إن كان ولا بد من التصور الطولي المتراجع. ويمكن أيضا تسلسل الأشياء تسلسلا دائريا حيث يرجع أول الأشياء إلى آخرها وأن يكون الشيء علة ومعلولا في نفس الوقت دون حاجة إلى علة أولى ليست معلولة إلى علة أخرى.