تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

33

والعجيب رفض الأشاعرة للكمون مع أنه أقرب إلى تصور العلم لظواهر الطبيعة وتجددها.

34

ولماذا يبطل الظهور والكمون لإثبات وجود الله؟ الظهور والكمون ظاهرتان طبيعيتان ظن المتكلم الأشعري أن في إثباتها إثبات لفعل الطبيعة من ذاتها، وأن في ذلك مناقضة للحدوث وكأن لا شيء يظهر أو يكمن بعيدا عن «الله» الذي خلق كل شيء.

إن تحليل الطبيعة بحيث تؤدي إلى الحدوث واستبعاد كل ما سواه هو في حقيقة الأمر فكر الانتقال يغير علمي موجه بأحكام مسبقة وخاضع للأهواء والانفعالات والعواطف الدينية، وقد سبب هذا عن حق رد فعل الدهريين والطبائعيين دفاعا عن الفكر العلمي. فموقف الدهرية أقرب إلى الموقف العلمي الذي يجمع بين القدم والحدوث، قدم الجواهر وحدوث الأعراض، واكتشاف قوانين الحركة، وتفسيرها بالعلل القريبة الداخلة في الموضوع وليس بالعلل البعيدة الخارجة عنه. الجواهر قديمة، والحوادث لا نهاية لها. قد تكون الجواهر عرية عن الأعراض ثم حدثت الأعراض فيها عن طريق الظهور والكمون، يظهر بعضها عند كمون ضدها في محله. ويتفق الطبائعيون مع الدهرية، ولكنهم يجمعون بين قول الحكماء وقول المتكلمين من أن «الله» خلق الأجسام ثم خلقت الأجسام الأعراض من تلقاء نفسها.

كما يبرز الصراع بين الفكر العلمي والفكر الديني في مفهوم العلية. فاعتبار أن المحدث الموجب لكل حادث لا بد أن يكون خارجا على الحادث تصور يجعل القوة المؤثرة أو العلة خارج العالم ويترك العالم بلا علة داخلة فيه. فينتهي الأمر إلى صورية العلة وبقائها، ومادية المعلول وفنائه. مفهوم العلية مفهوم طبيعية، ولكنه يستخدم في هذا الدليل استخداما ميتافيزيقيا. أن يكون لكل حادث سبب، هذا فكر طبيعي علمي لظاهرة علمية محددة، ولا يمكن الانتقال منها إلى العالم ككل. فالعالم ليس ظاهرة علمية، بل مفهوم ميتافيزيقي أو تجربة إنسانية لا يمكن أن تطبق عليها مفهوم العلية إلا إذا كان بمعنى السبب

Grund

المتيافيزيقي، وهو الوجود ذاته وليس خارجا عنه.

35

لا يفرق الدليل إذن بين العلة والسبب، العلة سبب طبيعي، والسبب علة ميتافيزيقية، العلة للأثر، والسبب للوجود. إن علاقة الحركة بالمحرك والمعلول بالعلة على هذا النحو المشخص الطولي الذي لا بد من الوصول فيه إلى علة أولى مشخصة ليست علاقة علمية بل علاقة دينية إيمانية تقوم على التشخيص، فليس لكل حركة محرك، وليس لكل علة معلول. هناك حركة ذاتية، وتغير ذاتي، وفعل ذاتي. وهناك دوران أبدي بين العلة والمعلول على شكل دائري، كل معلول علة، وكل علة معلول، دون الوصول إلى علة أولى ليست معلولة لعلة أخرى، دون الوصول إلى «بيضة» أولى أو «فرخة» أولى. لماذا لا تكون الموجودات فاعلة لنفسها؟ لماذا يحدث كل فعل بفاعل خارجي، وكأن العالم لا فعل له بما في ذلك الإنسان، لا فعل له، ولا خير منه، ولا قوة له؟

وبعض مقدمات الدليل لم تصل إلى صياغة منطقية محكمة، ولا تتجاوز كونها تحصيل حاصل. فاستحالة عدم القدم تحصيل حاصل لأنه قلب لجواز عدم الحادث، ونتيجة طبيعية للقدم، فالقدم والبقاء طرفان لشيء واحد، ما لا أول له ولا نهاية له، ويستحيل وجود أحدهما دون الآخر. ولماذا إثبات استحالة عدم القديم، فالقديم لا يعدم، وإثبات استحالة العدم متضمن في إثبات القديم. هذا بالإضافة إلى أن استحالة العدم يأتي لصفة الوجوب وإثبات استحالة القديم يأتي باستحالة الحدوث وليس باستحالة العدم.

36

كما لا يمكن إثبات حدوث الجواهر بحدوث العالم، فالحدوث هو المطلوب إثباته في كلتا الحالتين. الجواهر هي العالم، والعالم هو الجواهر. كما لا يمكن إثبات الحادث بالممكن أو الممكن بالحادث، فهما مفهوم واحد مرة بلغة الطبيعة ومرة بلغة الميتافيزيقا، مرة عند المتقدمين وأخرى عند المتأخرين. وكذلك مقدمة «ما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث» تحصيل حاصل، فكأن الإنسان يقول: ما لا ينفك عن الماء فهو ماء، أو ما يتصل بالهواء فهو هواء. بالإضافة إلى أنها لا تصدق على كل الموضوعات. فما لا ينفك عن الماء قد يكون حيوانا مثل السمك، وما لا ينفك عن الحوادث قد يكون قديما مثل الجواهر. ولماذا يحتاج علم التوحيد إلى إثبات الأعراض والأكوان (الجواهر)؟ فالأعراض مرئية، أما الأكوان فهي مجرد وجود الأجسام، وهي أيضا مرئية مع الأعراض.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٧