تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

40

وحتى على فرض أن العالم حادث بفعل التغير، فلماذا الاستدلال من الحدوث إلى المحدث بهذا المنطق التشخيصي، والانتقال من الظاهرة إلى صانع الظاهرة؟ إن الطبيعة ليست مصنوعة. الطبيعة موجودة، ويتعامل معها الإنسان، باعتبارها موجودة، سابقة عليه، ولاحقة عليه، ولا يلحقها بصانع. الصنع تصور إنساني مشخص، يسقطه المتكلم على الطبيعة فيجعلها مصنوعة، وكأن الطبيعة عالم مصنوع، وكأن المتكلم قد حول جمال الطبيعة إلى جمال الفن، وحول الطبيعة إلى صنعة.

41

لقد كان المتكلم في حياته الخاصة حرفيا أو تاجرا وابن سوق، وكان المجتمع كله كذلك، مجتمعا صناعيا تجاريا، الأشياء مصنوعة ولها صاحب، ومملوكة ولها مالك.

وما العظمة في إثبات وجود «الله» عن طريق الأعراض والأعراض أقل القسمين قوة وقدرة؟ فالأعراض بداية دليل الحدوث، وكل حادث له محدث، فالدليل هنا قائم على القسم الأضعف من الجسم وهو العرض وليس على القسم الأقوى، وهو الجوهر الذي منه يبدأ الدليل الثاني، دليل الجوهر الفرد. وكأننا أقمنا وجود الله على الشق الضعيف من الشيء، فقام البناء كله على ركن مائل هش.

42

والتحول من الأعراض إلى الأكوان لإثبات وجود الله ابتداء من الحدوث استجابة لهذا الاعتراض، وهو أن الله لا يثبت من القسم الضعيف وهو العرض بل من القسم القوي وهو الجوهر حتى لا يتمخض الأسد فيلد فأرا. فالأكوان أكثر التصاقا بالجوهر منه بالأعراض، وتدل على التكوين والصلابة، في حين أن العرض يفيد الزوال والتغير والفناء.

43

إن مفهومي الجوهر والعرض في حقيقة الأمر إنما يكشفان عن طبيعة الفكر الديني الذي يقسم العالم إلى قسمين: قسم إيجابي وآخر منفي، قسم بالزائد وآخر بالناقص، وتكون علاقة الطرفين علاقة أولوية وشرف، علة ومعلول، أول وآخر، قدم وحدوث. وجوب وإمكان، لا تناه وتناه، إلى آخر هذه الثنائيات المعروفة في الفكر الديني. فاستحالة قيام الأعراض بنفسها لحاجتها إلى الأصل وهو الجوهر والأساس. المفهومان إذن يعبران عن فكر ديني مجرد؛ وذلك لأن العلاقة بين الجوهر والعرض هي علاقة الثابت بالمتحول، الأصل بالفرع، المركز بالدائرة، وهي العلاقة الدينية المشهورة بين «الله» والعالم، إعطاء أولوية لطرف على حساب الطرف الآخر، وليست علاقة التساوي بين الأطراف، وهي أيضا علاقة من طرف واحد وليست علاقة متبادلة بين طرفين، أو باختصار علاقة الاستقلال والتبعية التي نعاني منها في شتى مظاهر حياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية حتى أصبحت طابعا مميزا لجيلنا وسمة أساسية للعصر. هي قسمة ذهنية في الظاهر، دينية إيمانية في الباطن، من شأنها تثبيت الأساس ثم التفريع عليه. قسمة عقلية في الظاهر، ولكن تفنيها عواطف التأليه فتترك العالم بلا أساس من داخله، وتجعل له أساسا مستمدا من الذات المشخصة التي يعلق عليها كل شيء. كانت هذه القسمة باستمرار من دعامات الفكر المثالي، وهو الفكر الديني في أكثر صوره عقلانية في اعتبار الأصل هي الصورة، والفرع هي المادة أو في تصور العالم على أنه عالمان، أساس ومؤسس عليه، أصل وفرع، وهي القسمة التي تجعل علاقة الأشياء بعضها ببعض على المستوى الاجتماعي والسياسي علاقة تسلط وتبعية، قاهر ومقهور، غالب ومغلوب، غني وفقير، أعلى وأدنى ... إلخ. وتفرض هذه القسمة نفسها على كل المستويات، وفي التأليه فتصير الذات والصفات، الذات جوهر والصفات أعراض، وفي الطبيعيات الجوهر شيء والكيفيات أعراض. وكذلك مفهوما القدم والحدوث، والوجوب والإمكان ... إلخ من مفاهيم الفكر الديني المجرد . وبالتالي تكون مقدمة «الأعراض حادثة» ليست حكما طبيعيا على الأعراض، بل إلهيات مقلوبة على الطبيعيات، فلأن الله قديم عكسنا الحكم وجعلنا العالم حادثا.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٩