يوحي التنزيه بالخارجية، وبأن قمة عواطف التأليه خارج العالم وليست بداخله، وأنه كلما بعدنا عن العالم وصلنا إلى تنزيه أعظم، وكلما أغرقنا في الصورية والنظر استل منا الواقع والعمل. ومن ثم يوحي التنزيه بأن المؤله المنزه في جانب وأن العالم الإنساني في جانب آخر، وبأنه لا صلة له بهذا العالم على الإطلاق، وهو ما ظهر فيما بعد في إعلان الحرية الإنسانية والإرادة الإنسانية المستقلة وفي حتمية قوانين الطبيعة واطرادها. وكلما تم الإيغال في الصورية ظهر العالم بعيدا عن الذات، ماديا طبيعيا، لا تشخيص فيه ولا ألوهية، ونشأ العلم العقلي التحليلي الطبيعي الصرف. وكأن التنزيه قد دعا إلى حركتين متناقضتين، أقصى درجة في التعالي بالنسبة للذات وأقصى درجة في المادية بالنسبة للعالم. فإذا كان التنزيه قد استطاع إلى حد كبير إنقاذ عواطف التأليه من كل أثر للتشبيه، فإنه ترك العالم المادي ذاته دون أي أساس تصوري أو تبرير أنطولوجي، ولم يبق إلا تحليل العقل للطبيعة، وبالتالي نشأ العلم. (4)
يؤدي التنزيه بالرغم من كل محاولاته من أجل الحصول على الوحدة إلى التصور الثنائي للعالم. فهناك عالمان، عالم الصورة الخالصة الذي يعبر بصدق عن عواطف التأليه، وعالم مادي يمثل خطورة التشبيه والتجسيم. فالتنزيه تبرير أنطولوجي لوجود الصورة على حساب المادة. وتكون علاقة العالمين، عالم الصورة وعالم المادة، علاقة تعارض مستمر. كلما أعطينا الأول شيئا سلبناه عن الثاني. وهو ما ظهر بوضوح أكثر عند الحكماء عندما تحول التنزيه لديهم إلى تصور عام للوجود وقسمته إلى وجودين، الوجود الصوري والوجود المادي. وقد تتعدد هذه القسمة وتتداخل وبالتالي تتحول إلى طبقات متعددة وإلى مستويات عديدة متداخلة. عندئذ يوحي التنزيه بأن الكمال في البعد الرأسي وليس في البعد الأفقي، وبأن السماء أشرف من الأرض، مما قد يؤدي إلى نوع من الرضا الذاتي عن النفس ما دام الشعور قد وصل إلى قبة السماء «فكان قاب قوسين أو أدنى» في عملية التنزيه. ثم يؤدي الرضا إلى الاكتفاء الذاتي بالتنزيه ورغبة في التأمل، مما يؤدي بدوره إلى ضمور في الفعل وقصور في التوجه نحو العالم. (5)
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية في التنزيه، وهو كيف يتم الخروج من هذا التصور العقلي الخالص إلى الواقع؟ كيف يتم الانتقال من الفكر إلى الوجود؟ ومن ثم يحتاج التنزيه إلى دليل أنطولوجي يجعل المؤله هو الوحيد الذي يجمع بين الفكر والوجود، يحتوي تصوره على وجوده. ولكن حتى هذا الدليل الأنطولوجي افتراض عقلي خالص يعبر عن أماني الذات في الحصول على الوجود من مجرد الحصول على فكرته بلا حركة أو جهد أو مقاومة. ولما كان التنزيه صوريا فارغا، فقد استطاعت السلطة أن تكون مضمونا له، وبالتالي لعبت دوره، ومارست وظائفه في العالم بكل شيء (أجهزة الأمن) والسيطرة على كل شيء (أجهزة القمع)، وأصبح التعالي رمزا للجبروت السياسي بالنسبة للحاكم الذي لا يجوز الاقتراب منه. ولكنه في نفس الوقت قد يتحول في وعي المعارضة إلى أمر بالمعروف ونهي عن المنكر في صيغة «الله أكبر» ضد الحاكم المتعالي ردا له إلى وضعه الإنساني حتى يظل الوعي الخالص متفردا بصفاته المجردة.
كان التنزيه هو اختيار القدماء ضد مخاطر التأليه والاتحاد والحلول والتجسيم والتشبيه، وهي العقائد السائدة في الديانات القديمة. وقد تغيرت الظروف الآن، ولم تعد المخاطر آتية من العقائد، بل محيطة بالأرض والثروات واستقلال الشعوب. فأي التصورات للذات الخالص أقدر على الدفاع عن مصالح الأمة؟ تأليه الأرض؟ تجسيم الشعب؟ تنزيه الحكام من الأغراض والأهواء وكراسي الحكم؟ تمثل المبدأ والتمسك به لدرجة التضحية والشهادة حتى ولو ظهر ذلك بلغة الاتحاد والحلول وأن يقول المواطن أنا الحرية والاستقلال؟ إن البدائل القديمة كلها على مستوى واحد من القيمة ، والاختيار بينها حر دون تكفير أحد منها. ولجيلنا أن يقول هل هو راغب في اختيار تصورات جماعات الاضطهاد أم تصورات جماعات السلطة.