بالرغم من كل ما حاوله التنزيه من بعد عن التشبيه وتخليص المؤله من كل شبهة إنسانية، إلا أنه ما زال أيضا مشابا بالتماثل من مجرد استعمال اللغة بألفاظها وتصوراتها. وبالرغم من استعمال أسلوب النفي وهو أسلوب التطهير، إلا أنه يستعمل أيضا اللغة حتى ولو كانت تنفي ألفاظها وتصوراتها. فما دامت عواطف التنزيه قد تمت صياغتها في لغة، فإنها لم تعد تنزيها. لذلك فضل الصوفية الصمت أو على أكثر تقدير استعمال الرمز الذي يتجاوز حدود اللغة الإنسانية. فالتنزيه مهما بلغت درجة صوريته وتجريده مرتبط باللغة والتصورات الإنسانية لأنه يستحيل تجريد الإنسان من مواقفه الحياتية وتجاربه الاجتماعية، وضعا وهدفا. ولما كانت الناس مختلفة فيما بينها في المجتمعات والعصور والبيئات الثقافية واللغات، فقد اختلفت بينها في درجات التنزيه. وزيادة في التنزيه يمكن أن يقال إنه لا يمكن التعبير عنه على الإطلاق بالمقولات الإنسانية حتى تلك التي تقوم على أقصى درجة في التجريد مثل الجوهر والعرض أو الممكن والواجب؛ لأن هذه التصورات الثقافية لا تتعدى كونها في الحقيقة تعبيرا عن عواطف التأليه التي هي أيضا تعبير عن عواطف التطهر والتقوى والترفع والعلو. ويكون الخطاب حينئذ نوعا من التمرينات الذهنية التي تعبر عن مضمون الشعور وتحليل العقل لها. فإذا كان في التجسيم قد أضيف المكان كبعد للتأليه يتحدد فيه المؤله ففي التنزيه يضاف الزمان ويطلق. وإذا كان التجسيم تصورا للتأليه في المكان، فإن التنزيه تصور التأليه مثل باقي القسمات كالجوهر والعرض، والواحد والكثير، والنفس يقوم بها الذهن البشري للتعبير بها عن عاطفة الطهارة التي هي أساس التأليه مثل باقي القسمات كالجوهر والعرض، والواحد والكثير، والنفس والبدن، وهي القسمة التي فضلها الحكماء فيما بعد للتعبير بها عن التأليه في الوجود. فكما أن الجوهر أشرف من العرض، والكيف أشرف من الكم، والصورة أشرف من المادة، والنفس أشرف من البدن، فإن القديم أشرف من الحادث. وبإضافة التشخيص للتأليه يكون الله هو القديم وما سواه هو الحادث. إن كل صور التوحيد القديمة ظواهر إنسانية خالصة، نجد نظائرها في العلوم الإنسانية كعلوم النفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد. فقد ظهر التأليه على أنه تعويض مطلق عن العجز والضياع والهزيمة، ونتيجة للرغبة في الحصول على انتصار كامل ودائم تعويضا عن الهزيمة الشاملة. ونشأ التجسيم أيضا لنفس السبب، وهي الرغبة في الحصول على انتصار واسترداد للحق الضائع. فبدل رفع المظلوم إلى العدل المطلق كما هو الحال في التأليه، يأتي العدل المطلق في الظلم ويتجسم الحق ويصبح البعيد قريب المنال. (2)
بالرغم من استطاعة التنزيه القضاء على كل وثنية حسية، إلا أنه انتهى إلى نوع من وثنية مضادة هي الوثنية العقلية. يتحول التأليه إلى موضوع عقلي خالص، وتتوقف حركة الشعور لديه، ويصبح مشجبا سهلا تعلق عليه الأماني الإنسانية مدفوعة إلى حد الإطلاق، ومن هذه الناحية قد لا يكون هناك فرق بين التنزيه والتشبيه، وأن الفرق هو في الدرجة لا في النوع. كلاهما إثبات لمؤله مشخص، ولكن التشخيص في التنزيه عقلي خالص، مجرد صوري، وفي التشبيه حسي مادي، عياني شيئي، كلاهما وثنية. الأول عقلي غير مرئي والثاني حسي مرئي. كلاهما تجسيم، الأول تجسيم ناعم مرهف، والثاني تجسيم فظ غليظ. فاتهام أهل السنة المعتزلة بأنهم مشبهة الصفات عندما جعلوها حادثة لا يدل على التشبيه لأن إثبات حدوث الصفات تنزيه للذات عن كل تشبيه. وقد يكون الاتهام موجها لأهل السنة أصدق لرفضهم التأويل والمجاز. ومع ذلك فقد وقع كلا الفريقين في التشبيه إما الحسي أو المعنوي، والخلاف بينهما فقط في درجة التجريد. التنزيه والتشبيه كلاهما من خلق الذات، وإسقاط من الشعور إلى أعلى، وتأليه صور إنسانية خالصة مهما تفاوتت مستويات التجريد. وفي كلتا الحالتين يؤله الإنسان ذاته دون أن يدري، يؤله الأنا ثم يعزو إليها الآخرية كما حدث من قبل في التأليه والتجسيم عندما أله الآخر ثم نسبت إليه الأنية. (3)