220
والعجب أن أحدا من القدماء لم يذكر صفة «التعالي»، في حين أنها مذكورة كمديح وثناء. ففي كل مرة يذكر فيها اسم الله يردف بعبارة «سبحانه وتعالى» أو «تعالى عما يصفون» أو «سبحان ربك رب العزة عما يصفون».
221
فالتسبيح علاقة الإنسان به، وهو موقف ذاتي تعبيري. التعالي وصف من أوصاف الذات أو وظيفة الذات في الشعور بها يتم نقد الصياغات القائمة لبيان المسافة بينها وبين الماهية، ورفض القطعية والمذهبية والتوقف والخلط بين الصياغة والموضوع. وبها يتجه الشعور باستمرار نحو المجرد والصوري والخالص حفاظا على الشعور من المادية والشيئية وحفظا له من الوقوع في الثقل الطبيعي للبدن. يعني التعالي كسر نطاق الوضعية والثقة بنطقية الإنسان وروح النقد لما هو موجود والتقدم المستمر، وهو روح العلم. (3)
يعني التنزيه أيضا الرغبة في الحصول على الخالص
Le Pure
دون الوقوع في التطهر، أي الخالص المنفصل عن المادي المعارض له كما هو الحال في كل العقائد الثنوية. الحقيقة في التنزيه من جانب الصورة التي يقوم التنظير بالبحث عنها. التنزيه هو عالم الصورة الخالصة أو الأنطولوجيا العامة أو الرياضيات الشاملة.
222
هو اتجاه نحو الصوري الخالص، وتأسيس للعلم تأسيسا صوريا خالصا. والصورية مقياس لتقدم العلم، ومصير كل فكر ينمو باطراد. لذلك اقترب تشبيه كثير من المتأخرين من التنزيه بعد أن اختفت الظروف النفسية والاجتماعية التي أدت إليه. بل لقد استعمل المشبهة نفس الخطاب الذي يستعمله المنزهة والفلاسفة في نفي الصفات الحسية بحرف النفي لا.
223
ثم عاد التشبيه في عصرنا الحالي لعودة نفس الظروف النفسية والاجتماعية القديمة كالاضطهاد، والهزيمة، والضعف، والتعويض ... إلخ. التنزيه كعملية شعورية مهمتها البحث المستمر عن الحقيقة، وتقدم العلم. ومع ذلك «الله» كفكرة محددة مهمتها المحافظة على المستويات وعدم الخلط بين الصوري والمادي، بين الدلالة والدال، بين المعنى والشيء؛ لأنه يجعل الشعور توترا بين قطبي الحس والعقل. (4)
استطاع التنزيه التعبير عن العواطف البشرية وعلى رأسها التأليه في صورة عقلية خالصة، وبالتالي أمكن إخضاع التجارب الشعورية إلى التحليل العقلي الخالص، وهو ما لم يحدث في التأليه والتجسيم والتشبيه. فالتنزيه يعبر عن سلطة العقل المطلقة على الانفعالات والأهواء، بينما يعبر التشبيه عن الإدراك الحسي، وكما يعبر التجسيم عن الرؤية الموضوعية. هذا التنزيه العقلي الخالص هو السبب في تحريم التصوير في الشرع من أجل إبعاد أي احتمال للوقوع في التشبيه أو التجسيم. ولذلك خرج الفن صوريا خالصا يقوم على الأشكال الهندسية وتكرارها في كل الاتجاهات المتقابلة والمتماثلة من أجل خلق الجمال الصوري الخالص. (5)
يؤدي التنزيه إلى القضاء على أية فاعلية متوهمة للمؤله المشخص، ويعطي الاستقلال التام للعالم. فشبهة التعطيل إذن لا تمثل نقدا للفكر، بل هي ضرورة تمليها الروح العلمية واستقلال ظواهر الطبيعة. يمنع التنزيه كل مظاهر التسلط والقهر والطغيان باسم الإله المشبه الذي يسمع ويرى كل شيء، ولا تخفى عليه خائنة الأعين وما تكن الصدور، كما هو الحال في أجهزة المخابرات في نظم القهر والتسلط، فعين الله الساهرة هي عين المباحث الساهرة.
224
بل يجعل التنزيه العقل قادرا على تمثل الصفات كمبادئ عامة مطلقة وشاملة غير مشخصة في إرادة والجميع قادر على إدراكها وتمثلها، وهي المبادئ الإنسانية العامة التي طالما ضحى الأفراد والشعوب في سبيلها. (6-3) سلبيات التنزيه
ولكن من ناحية أخرى، وبالرغم من كل هذه المزايا في التنزيه كتعبير صادق عن الوعي الخالص أو الذات، وبالرغم من كونه رد فعل تاريخيا مشروعا على التأليه والتجسيم والتشبيه، أدى دوره في المحافظة على التوحيد الخالص وفي إعلان سلطان العقل على الانفعال واستقلال قوانين الطبيعة وحرية الإنسان والمجتمع، بالرغم من هذا كله فقد يثير التنزيه عدة تساؤلات تدفع المتكلم الأصولي الجديد إلى مزيد من التأمل والبحث عن كيفية الحرص على الوعي الخالص دون أن يرتد إلى بعض عناصر التشبيه، ومنها: (1)