215
ومع ذلك يبقى علم الصفات، كعلم للمبادئ والأفكار أو النظريات، وهو ما يسمى في لغة العصر بالأيديولوجية. ومن ثم يكون علم التوحيد والصفات هو عملية صياغة الأيديولوجية ثم تحقيقها.
التنزيه هو أكبر رد فعل على التأليه في كل درجاته وعلى التجسيم بكل صوره. وهو رد فعل تاريخي وشعوري معا، تاريخي لأن التنزيه الذي ساد القرن الثاني عند المعتزلة الأوائل
216
تلا التأليه والتجسيم اللذين سادا القرن الأول عند الشيعة الأوائل، وشعوري لأنه تحول للشعور من الحس إلى العقل، ومن المادة إلى الصورة، ومن المتعين إلى اللامتعين، ومن المتناهي إلى اللامتناهي. وقد تظهر هذا القلب الشعوري في صياغة العبارات نفسها. فبدلا من العبارات التقريرية المثبتة التي تعزو للمعبود صورا وأشكالا ظهرت العبارات التقريرية النافية التي تنفي عن الله كل الصور والأشكال حتى أصبح التنزيه مرادفا لنفي الصفات بوجه خاص وللسلب بوجه عام.
ويكشف تاريخ الفرق تطور الوعي الخالص أو الذات كما يكشف عن بنيته. فإن وصف التطور التاريخي لها مطابق لبنيته. والمعروف أن مادة علم أصول الدين في جميع موضوعاته بلا استثناء قد تطورت تطورا جدليا من الموضوع إلى نقيضه ثم إلى مركب الموضوع ونقيضه. فقد بدأ التوحيد بالتجسيم على اختلاف درجاته من تأليه وتجسيم وتشبيه وتشيؤ، ثم ثنى بالتنزيه ونفي الصفات كنقيض للتجسيم، ثم ثلث بإثبات الصفات الذي يجمع بين التشبيه والتنزيه في آن واحد. وكأن الوعي الخالص باعتباره وعيا تاريخيا قد بدأ بالحس، ثم ثنى بالعقل، ثم ثلث بالجمع بين الحس والعقل.
217
كما تعطي بنية المادة ذاتها بصرف النظر عن تطورها التاريخي وصفا لبناء الوعي الخالص ودرجات أبعاده بين الحس والعقل ابتداء من المتعين، هذا الوعي بالذات، إلى اللامتعين، الوعي الخالص. وفي هذه الحالة يكون التشبيه بعد التجسيم لأنه قريب من الحس وإن لم كن حسا متعينا. ثم يأتي التنزيه في النهاية يمثل قطب الشعور الثاني وهو العقل. وإذا أردنا القسمة فإنه يمكن وضع التأليه والتجسيم والتشبيه معا في طرف الحس، ووضع التنزيه في طرف العقل، إذ إن التأليه والتجسيم تشبيه الذات، والتشبيه تجسيم للصفات.
218
ولما كان الحس والعقل معا قطبين للشعور، فإن مادتي علم أصول الدين الحسية والعقلية يمكن إعادة عرضهما على أنهما مادتان شعوريتان وتكملتهما معا بمادة أصولية شعورية أخرى حتى يكتمل الموضوع في الشعور. وفي كلتا الحالتين تكون مادة القدماء وصفا للشعور؛ لأنها مادة للشعور. ولما كان الشعور يجمع بين الحس والعقل، أو إن شئنا بين المادة والصورة فيما يسمى بين التشبيه والتنزيه، فالتشبيه مادة للتوحيد أتت من الحس، والتنزيه مادة أخرى أتت من العقل. (6-2) إيجابيات التنزيه
والتنزيه بالرغم من كل ما يقال عليه من خصومه أقرب إلى روح الوحي وروح العلم على حد سواء من التجسيم والتشبيه للآتي: (1)
التنزيه أكبر معبر عن التوحيد؛ لأنه ينفي أي تشابه بين الله والإنسان. فالله في التنزيه يند عن كل تصور أو تصوير إنساني. وهو بهذا يتفق مع المعنى التقليدي للتوحيد. وبهذا يمتاز التنزيه عن التشبيه الذي يقترب من الوثنية الحسية المباشرة.
219
كما أنه يحمي من الوقوع في التشخيص، والحديث عن المؤله كمشجب تعلق عليه الصفات كما حدث بعد ذلك في التشبيه. فالمؤله حالة شعورية خالصة يعبر عنها العقل بأكثر الوسائل إمعانا في التجريد. (2)
لما كان التنزيه مجرد حالة شعورية، فإنه يعني التعالي المستمر ورفض التشبيه والمماثلة، ويعني التعالي إمكانية التقدم المستمر ورفض أي تحول للذات إلى موضوع، والاستبعاد المستمر للصيغ الجاهزة التي تريد إيقاف العلم إلى الأبد في صيغ ثابتة دون البحث عن صيغ أخرى. التعالي صورة للتقدم البشري، وهو بناء نفسي وحركة شعورية أكثر منه عقيدة.