تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

204

ويؤدي دليل نفي التشابه إلى دليل الكمال، وهو أيضا أحد نتائج دليل الحدوث. ويقوم نفي التشابه عن العالم والمؤله أيضا على أساس من عواطف التأليه التي تتحول باطنيا ثم ذهنيا إلى حكم قيمة وشرف. فالعالم أقل شرفا وكمالا من المؤله، والمؤله أعظم شرفا وكمالا من العالم. ليس العالم فاعلا لنفسه لأن الفاعل لا بد وأن يكون حيا قادرا غير مشابه.

205

وقد حاول متأخرو الأشاعرة صياغة أدلة أخرى لا تخرج عن هذين الدليلين المستقين من دليل الحدوث والمعبرين عن عواطف التأليه على درجات متفاوتة من التعقيل.

206

كما حاول المعتزلة صياغة أدلة لنفي الشبه وإثبات المخالفة للحوادث، ولكنها مثل أدلة الأشاعرة وأضعف بكثير من طريق النفي والسلب، ويمكن الرد عليها وتجريحها.

207

وقد لجأ أهل السنة إلى طريق التنزيه عن طريق النفي والسلب. فهو ليس كالخلق ، ولا يشابهه أحد من مخلوقاته، وهي الثنائية الفلسفية المشهورة بين عالمين، الأول الثابت الأزلي الكامل المطلق، والثاني المتحرك الفاني الناقص النسبي، هذه الثنائية التي تقوم على استقلال الأول وتبعية الثاني، وتجعل علاقة الطرفين علاقة الشارط بالمشروط.

208

واستمر طريق النفي حتى في كتب العقائد المتأخرة.

209

وقد عرف المعتزلة بهذه الطريقة وأصبح نفي الجسمية عن التوحيد هو أكبر رد فعل على التجسيم والتشبيه إبقاء على التنزيه المطلق.

210

وهي أيضا طريقة الباطنية في إحدى لحظاتها الفكرية وتجاربها النفسية بحثا عن الحد الأقصى في التصور والأبعد في القصد والغاية.

211

والحقيقة أن الطريقة المثلى لإثبات التنزيه هي طريقة النفي، نفي كل الصفات تحاشيا للتشبيه، وهي طريقة المعتزلة وقد أثبتها أيضا أهل السنة. ويأتي النفي بلا أو بليس تحاشيا لمشاكل اللغة والتشابه في الألفاظ.

212

وقد تأتي أوصاف الذات كلها كنفي لنقص وإثبات لكمال.

213

كان التنزيه أكبر رد فعل على التجسيم. واستطاع أن يقضي على التشخص والتعين والتحدد وأن يتخلى عن الجسمية والشيئية والمادية والحسية في عملية التأليه. وأطلق ذلك كله، وجعل عملية التأليه عملية شعورية خالصة يتجه فيها الشعور نحو المطلق بلا تعين أو تحدد أو تشيؤ. ثم واجه الشعور شيء آخر، هل التنزيه المطلق مجرد عملية شعورية خالصة يحدد فيها الشعور اتجاهه في العالم أمام لا شيء أم أنه اتجاه نحو شيء وإن كان منزها؟ ما هو الموضوع الذي يتجه الشعور نحوه في حالة التنزيه؟ هل التنزيه وصف لحالة شعورية خالصة أم أنه أيضا وصف لموضوع يتجه الشعور نحوه؟ هنا يظهر فرضان: الأول ضرورة إثبات موضوع يتجه الشعور نحوه ويكون مطلبه في التأليه بعد أن تم القضاء على الشخص الذي بدأ منه التأليه وعلى البدن والجسم والشيء في التجسيم. فالشعور لا يكون إلا شعورا بشيء، والتنزيه كعملية شعورية لا بد وأن يكون لها موضوع، هو الموضوع المنزه.

214

والثاني أن الشعور ليس بحاجة إلى مشجب لتعليق الصفات عليه، ولا يستطيع أن يتجوهر في موضوع ويثبت حياته لتعليق الصفات عليه، ولا يستطيع أن يتجوهر في موضوع ويثبت حياته في نقطة ارتكاز، ويظل في حركة وحياة دائمتين، ويكون مجموعة من الصفات بلا موصوف، ويكون موضوع التنزيه مجرد صفة. ولا يحتاج الشعور هنا إلى ذات تتعلق حولها الصفات، بل توجد الصفات بلا ذات، وتكون مجموعة من الأقوال تختلف درجاتها في التشخيص. تكون الذات في هذه الحالة افتراضا وهميا خالصا ينشأ بفعل عاطفة التنزيه كما هو الحال عند الصوفية عندما يخلق تركيز القلب موضوعه أو عند الحكماء عند يخلق التأمل موضوعه. وبالتالي يكون العالم أو الذات تعبيرا عن إيمان ديني بالصفة التي تعبر بدورها عن أماني الإنسان، هذا الإيمان الذي يخلق موضوعه كما هو الحال في الدليل الأنطولوجي الذي يخلق فيه الفكر موضوعه والكمال وجوده. ولكن هذه المرة ليس دليلا عقليا أو بداهة، بل تجربة شعورية وموقف إنساني. ولما كانت الماهية لا وجود لها، فهي ليست موضوعا للإدراك بحاسة من الحواس الخمس أو بحاسة سادسة في هذا العالم أو في عالم آخر. وافتراض ماهية معلومة قول بلا برهان، وإثبات وجود بلا معرفة كما يثبت الموقف الإنساني معرفة بلا وجود. إنما إثبات الماهية هو تشخيص لعملية شعورية وخلق لموضوع ذاتي خالص وتوهم له في الخارج ثم وضع ذلك على حساب الإدراك حين يستمر التشخيص فتتحول الآخرة إلى مكان ويتم افتراض حاسة سادسة تدرك بها الماهية المتوهمة. هنا يتوقف العقل، وينتهي الواقع، ويبدأ الخيال وتدخل الأسطورة. أما افتراض ماهية لا يعلمها الناس فهو تحصيل حاصل؛ لأنه إثبات وجود بلا معرفة أو إثبات علم وجهل في آن واحد، والحقيقة أنه من صنع الوهم.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٧٤