تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

197

هي مجموع الصفات الخبرية التي يؤدي إثباتها إلى الوقوع في التشبيه.

198

لا يوجد دليل على صفات التشبيه إلا من المنقول، ولا يوجد عليها دليل من المعقول، وبالتالي لا يمكن أن تكون أصلا من أصول الدين طبقا لنظرية العلم. فالحجج النقلية مهما تضافرت على شيء فإنها تظل ظنية ولا تتحول إلى يقين إلا بحجة عقلية ولو واحدة. فمدلولات النقل مرتبطة بالوضع اللغوي والعرف الاصطلاحي والصحة التاريخية إذا كان النص رواية. لا سبيل إلى الاحتراز من التشبيه إذن إلا بآيات السلوب وفي مقدمتها:

ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . النفي قبل الإثبات، النفي للتنزيه والإثبات للتقريب إلى الأفهام وليس لإثبات الصفات وإلا وقعنا من جديد في مخاطر التشبيه وربما التجسيم.

وإذا كان التجسيم الأول قد نشأ رد فعل على الهزيمة وكرغبة في تخليد الزعيم لدرجة التأليه حرصا على الحق الضائع وإثباته على الأقل في الخيال كامتداد طبيعي للعقل، فإن التشبيه هذه المرة يحدث نتيجة للرغبة في المحافظة على المعاني الحرفية للنصوص وتفسيرها تفسيرا ماديا شخصيا وعدم معرفة بدور الصورة الذهنية كأحد وسائل التعبير.

199

فإذا كان التجسيم نتيجة لوضع سياسي ورد فعل على الهزيمة، فإن التشبيه خطأ في نظرية التفسير وفي فهم طبيعة اللغة ورفض أي عمل عقلي أو حضاري على النص.

200

لذلك كانت الحجج المقدمة حججا نقلية خالصة مفسرة تفسيرا حرفيا دون أي تدخل من جانب العقل. وقد يكون الدافع على ترك السلف للتأويل ليس استبعادا للسؤال النظري، بل لأنهم كانوا مشغولين بالفتوح وتحرير البشر، والدعوة للدين الجديد، وتحقيق الرسالة، أي إثبات الصفات عمليا عن طريق تحقيقها بالفعل. لم يكن السؤال النظري مطروحا ثم استبعدوه. لم يطرح السؤال نظريا إلا بعد توقف الفتوح، فالنظر تعويض عن العمل. وإذا كنا الآن في ظرف مشابه لتحرير الأرض، فهل يظل السؤال مطروحا نظريا أم يتحقق عمليا؟

201 (5-5) إيجابيات التشبيه

وبالرغم من التشبيه وجزع النفس منه، وصدمه للعقل، واستنكاف الشعور منه، إلا أنه يكشف عن عدة حقائق، منها: (1)

يستحيل التعبير عن عواطف التأليه إلا باللغة الإنسانية. ولما كانت اللغة الإنسانية بطبيعتها مستقاة من حياة الإنسان، فاستعمالها يؤدي حتما إلى التشبيه، والتعبير عن كل شيء بلغة الإنسان. ومن ثم لا يمكن الحديث عن المؤله إلا بالحديث عن الإنسان المؤله المدفوع إلى أقصى حد له، وكأنه لا يمكن الحديث عن الموضوع دون الحديث عن الذات، فموضوع التأليه والذات المؤلهة واحد. (2)

لا يمكن التعبير عن المؤله بأسلوب مجرد خالص كما هو الحال في الرياضيات، بل بأسلوب التشبيه والاستعارة والكناية، أي بلغة الصورة الفنية. وبالرغم من تجاوز التشبيه، خاصة في التجسيم، من اللغة إلى الشيء، إلا أن الصورة هي الأسلوب المعبر عن عواطف التأليه، لا لأن الصورة أقرب إلى العامة وأسهل على فهمها بل لأنها حقيقة تعبر عن وجود حقيقي، فاللغة تحيل إلى الشيء، والتصور إلى الوجود، وهو نوع من الأنطولوجيا الشعبية البدائية قبل الإحكام النظري المتقدم لحضارات الذهن. (3)

ليس التأليه موضوعا مجردا خالصا، بل هو شيء يوصف ويلمس، شيء موجود بالفعل وليس مجرد موضوع عقلي. لا يوجد في التشبيه مشكلة كيفية الخروج من عالم الأذهان إلى عالم الأعيان كما هو الحال في التنزيه؛ لأن المؤله موجود من قبل في العالم في صورة حسية مرئية. لا يوجد المؤله كلما بعدنا عن العالم، بل يوجد كلما قربنا منه. فالمؤله هو العالم الضائع والتعويض عنه بالعالم الممسوك. (5-6) مخاطر التشبيه

ولكن من ناحية أخرى يمثل التشبيه عدة مخاطر، أهمها: (1)

التشبيه إسقاط من الذات على الموضوع، ولكنه إسقاط من أسفل إلى أعلى. يرى الإنسان في موضوعه التأليه ذاتا تشبه ذاته، ويرى فيها صورته الخالصة، ظانا أنها صورة موضوعية لوجود موضوعي. يرى فيها مشاكله الخاصة ظانا أنها مشاكل موضوعية كمن ينظر إلى السحب فيجد فيها صورا وأشكالا لما تعود أن يراه في حياته على ما هو معروف في التجارب النفسية للكشف عن مكونات الشخصية وسماتها. وبالتالي يمكن القول: «إن الذات خلق الموضوع على صورته ومثاله.» التشبيه إعدام للموضوع وتحويل الذات نفسها وقسمتها إلى ذات وموضوع، وبالتالي خروج الموضوع من الذات. (2)

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٧١