تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

183

أما الأصبع فإنه ليس لفظا شرعيا يضاف إلى الله.

184

أما ألفاظ الكف والأنامل فهي ليست ألفاظا شرعية في أصل الوحي، وأقصاها روايات تقوى وتضعف، وأصل العقائد في الوحي، إذ إن السنة تبيين عملي لأوجه التطبيق وليست مصدرا لعقائد نظرية.

185 (5-3) آيات الجنب والساق والقدم

وهي الآيات التي تشير إلى جذع البدن والأطراف السفلى. ولا يعني الجنب جنب البدن، بل أمر الله ونهيه، فالجنب صلب البدن والذي عليه يرتكن.

186

أما الساق والقدم فإنهما ليسا لفظين شرعيين في أصل الوحي يطلقان على «الله».

187

وغالبها ألفاظ رواية لا تكون أصلا في العقائد نظرا لضعف الرواية، ومهمتها العملية لا النظرية. وقد انتشرت هذه الروايات في الدين الشعبي لما فيها من خيال فني خصب يؤثر على العامة في تصوراتها لله.

188 (5-4) آيات النفس

ولو أن النفس ليست من صفات التشبيه إلا أنها تشير أيضا إلى أبعاض الإنسان، تخبر عنه لا عن شيء غيره، تشير إلى الذات، وتميل إلى الهوية. بل إن نسبة الحواس الخمس له وجعله مدركا للعالم إنما كان القصد منها الإشارة إلى وعيه بالأشياء في مقابل ذكر الأشياء له، فيكون شعورا في مقابل الأشياء وتكون أشياء في مقابل الشعور.

189

لا سبيل إذن لتجاوز التشبيه إلا بالتنزيه والتخلي عن التفسير الحرفي للنصوص إلى التفسير المجازي لها وهو أقرب إلى قواعد اللغة. ليس التشبيه هو الحق والتنزيه هو الضلال، فسلاح التكفير هو سلاح ضد الخصوم.

190

ويتم تجاوز التشبيه إلى التنزيه عن طريق إبطال التشبيه لغويا وفهم دوافعه نفسيا واجتماعيا وسياسيا، وهي الدوافع التي يشارك فيها التشبيه التجسيم. فالفرق بينهما في الدرجة لا في النوع. والتنزيه هو القادر على جذب التشبيه إليه بعيدا عن التجسيم عن طريق النفي، إذ لا يكفي إطلاق القرآن أو التوقف أو نفي الكيفية.

191

وفي هذه الحالة قد لا يفترق التشبيه عن التنزيه إلا قليلا نظرا لحرص التشبيه على التفسير الحرفي للنصوص دون الوقوع في التجسيم، كذلك كانت فرق أهل السنة بين التشبيه والتنزيه.

192

ولا يرجع التشبيه إلى أثر خارجي في دوافعه، بل قد ترجع بعض صوره الفنية إلى البيئة الشعبية في خيالها وأساطيرها. وفي الخيال الشعبي يصعب التمييز بين ما هو محلي وما هو وارد؛ لأنه مصب لكل شيء بإبداع ذاتي خاص.

193

إنما التشبيه خطأ في تفسير النصوص، ووقوع في التفسير الحرفي حيث يصح المجاز. التشبيه تجاوز الحرف إلى الشيء، وانتقاله من مستوى اللغة إلى مستوى الطبيعة، ومرور من المعرفة إلى الوجود. فالمؤله ليس مجرد حالة شعورية يمكن التعبير عنها على درجات متفاوتة من التنزيه بالقوالب العقلية، بل هو جسم وإن لم يكن بذي جسم، وصورة وإن لم يكن بذي صورة. فالحروف الأربعة مثلا «ا، ل، ل، ه» ليست مجرد كلمة بل هو شيء حي. الألف موضع القدم، والهاء العورة.

194

ومعروف في تاريخ الأديان تشخيص الكلمة، فالمسيح ليس كلمة

Logos

بل هو كلمة مشخصة في بدن. التشبيه إذن بهذا المعنى عود إلى التجسيم الأول، ولكن كرد فعل متأخر على التنزيه وإنكار الصفات تجنبا لأي تشابه بين المؤله والإنسان أو كإقلال من التجسيم الذي كان أقرب إلى التأليه.

195

لذلك لا يلغي التوقف في التأويل المشكلة ولا يحلها أساسا. التوقف موقف تكتيكي عملي حذر وليس طرحا نظريا. أما التفويض وقول «الله أعلم» فإنه معارض بقراءة:

والراسخون في العلم

إذا كانت الفصلة بعدها. كما أنه خوف وجبن وإرجاء. وهو اتباع لسلف الأمة ينتهي إلى التقليد، وإيمان المقلد لا يجوز طبقا لنظرية العلم،

196

ولا يمكن الاعتماد على سلطة النقل وسلطة الإجماع، فذلك أيضا تقليد بدعوى الاتباع دون الابتداع. وترك التعرض أسوة بالرسول ينفي حاجات العصر المتجددة ويغفل مقاصده النظرية واتجاهاته في الفهم. فحل القضية في التأويل، فإنها تدخل أيضا في موضوع النقل والعقل لأنها أخبار لا تثبت إلا بالسمع دون العقل.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٧٠