في التشبيه يتحول الكلام إلى شخص، وتتحول اللغة من نطاق الفكر إلى نطاق الشخص، في حين أن اللغة حامل للفكر، والفكر مستقل عن الأشخاص. التشبيه خطأ في استعمال اللغة وفي معرفة وظيفتها، وخلط بين مستويات اللفظ والمعنى والشيء. وبالرغم من أهمية ظهور المادة في التشبيه إلا أنها تظهر في غير موضعها. فموضع المادة في اللغة وفي الصورة وفي الشخص وفي الشعور وفي الفكر مع أن المادة صورة مصغرة ومحدودة للواقع العريض، مادة من خلال تجربة معاشة تكشف عن العالم وتحيل إليه. التشبيه خطأ في نظرية اللغة وعدم دراية بوظيفتها في التعبير، وخلط بين أنواع الخطاب التقريري منه والإنشائي، فأسلوب الوحي لا يهدف إلى إثبات شيء مادي، بل يستعمل الصورة الفنية للتأثير النفسي من أجل إعطاء تصورات للعالم وبواعث للسلوك. (3)
يؤدي التشبيه إلى الوقوع في الخرافة بعد زحزحة العقل وفقدان سلطانه، والاعتماد على الخيال، وتحويل الموضوعات من الوضوح والبداهة إلى نطاق السر والمجهول. وأسلوب التشبيه ليس أسلوبا علميا للتعبير عن مضمون العلم. استعمله القدماء لأنه متفق مع منهج العلم في عصرهم، وهو التأمل أو السحر، ومع موضوعات العلم حينذاك مثل العالم والكون وغيرها من الموضوعات الكونية العامة. ويمكن وصف أسلوب التشبيه على النحو الآتي: (أ)
يستبدل التشبيه بالشيء غيره. فبدلا من الحديث عن الشيء يتحدث عن الصورة، ويغرق في وصف الصورة، ويناضل من أجل الصورة. والصورة شيء، والشيء شيء آخر. التشبيه معركة في الهواء تحدث في الخيال مع طواحين الهواء. (ب)
التشبيه فكر وصفي خالص، يصف الشيء من الخارج، وليس فكرا تحليليا أو يقوم على التجريب لكشف جديد. هو أقرب إلى تحصيل الحاصل وتكرار الذات لما تعرف على نحو آخر، من الإحساس الذاتي إلى الرؤية الموضوعية للذات. (ج)
التشبيه يتناول الشيء ككل، ويعطي أحكاما كلية عليه، ولا يقوم بتحليل الأجزاء بغية الدقة والموضوعية من أجل إصدار حكم. (د)
أقصى ما يصل إليه التشبيه هي النتائج العامة التقريبية وليست النتائج المحددة التي يصل إليها الباحث عن طريق التعريف الجامع المانع أو القياس الدقيق. يقينه ذاتي يعتمد على دقة الصور والقياس بين الدلالة والشيء، وهو ما يستحيل عملا نظرا للفرق بين الدلالة والدال في الرؤية والإيحاءات. (ه)
يقوم التشبيه على الخيال دون العقل، وهو أقرب إلى أسلوب الفن منه إلى أسلوب العلم. غايته التأثير في النفس كالخطابة وليس إعطاء وصف علمي للواقع بالبرهان. فالتشبيه أقرب إلى تاريخ الفن منه إلى تاريخ العلم، والمشبهة فنانون دون أعمال فنية، شعراء دون نظم، ورسامون دون لوحات. (و)
يعبر التشبيه عن انفعالات نفسية نحو الشيء، ولا يعطي قوانين عقلية لضبط الواقع والتحكم في مساره. يعطي وسيلة لضبط النفس وإعادة تصحيح موقفها، ولكن ليس للسيطرة على قوانين الطبيعة. التشبيه ليس فكرا، بل مجرد التعبير عن عواطف الإجلال والتعظيم بصورة فنية. لا يصدر أحكام واقع بل أحكام قيمة تعبر عن مزاج قائلها ودرجة حدة الانفعالات. يمكن إرجاعها إلى أسسها النفسية التي ترجع بدورها إلى الظروف الاجتماعية التي نشأ فيها الموقف كله. (4)
التشبيه، بالرغم من تميزه عن التجسيم، إلا أنه عود إلى الوثنية القديمة التي طالما حاربها الوحي، وخلق وثنية جديدة أخطر وأعظم؛ لأنها وثنية يدعمها الوحي ذاته بالتفسير الحرفي لنصوصه، وبالتالي بوجودها الشرعي منه. التشبيه تجريد للوحي وتفريغ له من مضمونه الاجتماعي ثم تجسيد له وغلقه على ذاته وخلق جسم من داخله، ونقله من مستوى الفكر والنظام إلى مستوى الشيء والمادة. التشبيه خطأ في اتجاه الوحي ومقصده، تجسيم له من ذاته وتفريغ العالم منه. وقد أدى ذلك إلى السماح بدخول كثير من الأبنية الأسطورية القديمة من البيئات الثقافية المجاورة نظرا لتشابه المواقف النفسية والاجتماعية مما أفقد الفكر الديني أصالته وهويته واستقلاله عن الفكر الديني القديم في الحضارات والبيئات الثقافية المعاصرة له، وأصبح جزءا من تاريخ الأديان. (5)