وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (22: 47). وقد يكون المعبود عند البعض الآخر أحسن الأقدار، فهو ليس بالعظيم الجافي أو القليل القميء.
130
فالذي يحدد مقدار الجسم هنا هو الكمال الذي يفرض على الجسم مقداره كما أن الذي يحدد عدد التواتر عند الأصوليين هو اليقين الحاصل منه والذي يسببه الخبر. وكما أن الذي يحدد الاستقراء التام عندهم هو المعنى في الاستقراء المعنوي. فالكمال الحسي بدليل عن الكمال المعنوي. والإحساس بالكمال هو أيضا إحساس بالوسط المتناسب ، وهو إحساس رياضي عبر عنه قدماء اليونان بالوسط الذهبي، وسموه فضيلة الاعتدال.
131
وقد يكون للمعبود جسم له مقدار في المساحة دون أن ندري ذلك القدر، وذلك لأن التعين تورط في التجسيم في حين أن مجرد التشبيه أو الاتجاه نحو التعين يحفظ التوازن بين التشبيه والتنزيه.
132
ويحدد البعض الآخر المساحة بالاتجاه فيجعلها بلا نهاية ولا غاية ولكنها ممتدة في الجهات الست، أو مماثلا للفضاء.
133
حينئذ يقترب التجسيم من التشبيه درجة، ومن ثم لا يقع عليه اسم جسم أو طول أو عرض أو عمق أو هيئة أو قطب. وأحيانا يؤخذ العالم كله كمقياس، ويكون المعبود مساحته قدر مساحة العالم، وهو تورط كلي في الكم. لذلك يستدرك البعض ويجعل مساحته أكثر من مساحة العالم لأنه أكبر من كل شيء حفاظا على التوازن بين التشبيه والتنزيه. وقد ينازع التنزيه تصور الجسم فيصبح موجودا في كل مكان. ويبدأ تحديد الجسم خارج الأشبار السبعة والوسط المتناسب ومساحة العالم إلى كونه أكبر من العالم أو موجودا في كل مكان.
134
ولما كانت الاستدارة إحدى صور الخلود كان المعبود كاللؤلؤة المستديرة. فالدائرة تحتوي على التناهي واللاتناهي معا. وهي أنسب صورة للجمع بين المادة والصورة. فهي متناهية لأنها محدودة داخل المحيط ولا متناهية لأنه يمكن تتبع المحيط إلى ما لا نهاية، إذ إنه لا أول له ولا آخر. وتتجسم الدائرة في العجلة. فهي متناهية لأنها محدودة بالمحيط ولا متناهية في اللف والدوران، إذ إنها تتحرك وتدور إلى ما لا نهاية. الدائرة هنا تفضل الخط؛ لأن الخط يمكن أن يكون صورة للاتناهي، إذ يمكن مده من الطرفين إلى ما لا نهاية، ولكنه أيضا يكون صورة للتناهي لأنه يضم مساحة. وقد أخذت صورة الدائرة عند الفلاسفة كأفضل صورة تعبر عن صلة الله بالعالم ولحل مشكلة قدم العالم وحدوثه، فجعلوا «الله» مماسا والعالم دائرة حتى يكون الله منفصلا عن العالم ومتصلا به في آن واحد. فالخط لا نهائي في حين أن محيط الدائرة متناه. وحتى يشارك العالم «الله» على الأقل في صفة واحدة هي أزلية الحركة. كان التصور الدائري في التاريخ القديم عند قدماء الشرقيين وقدماء اليونان وحتى عند ابن خلدون في حضارتنا القديمة وعند بعض الفلاسفة المعاصرين في الحضارة المجاورة
135
هو أفضل تصور يمكن التعبير به عن البدء ثم العود على البداء وتفسير التاريخ في حلقات متصلة تبدأ وتعود سواء كانت تبدأ من الصفر أو تحتوي بداخلها على عنصر تقدم في صورة حركة لولبية، وفي الأمثلة الشعبية «تدور الدائرة» أو «تدور عليه الدوائر» أو «دارت الأيام» تمثل صورة القدر الذي لا مفر منه، وبالتالي تكون الحقيقة في الحس الشعبي أيضا دائرية.
ولما كانت الأجسام المشعة أكثر شفافية من الأجسام المعتمة كانت الروح أقرب إلى النور منها إلى الظلام، ولكنه نور السبائك حتى لا يضحى بالجسم في سبيل الأشعة. وبالتالي تتحد لغة النور ولغة الجسم باتحاد الشيء والشعور، الشيء المعتم والشعور المضيء، فيصبح المعبود جسما شفافا أو سبيكة صافية أو جسما نورانيا أو لؤلؤة مضيئة. قد تتغلب لغة النور على لغة الجسم فيكون المعبود نورا خالصا من غير بدن ولا جسم، نورا ساطعا ليس على أية صورة.