136
ولغة النور الخالص هي اللغة المفضلة عند الصوفية، وهي لغة تجمع بين التجسيم والتنزيه. فالنور جسم شفاف. وبالتالي فلغة النور ليست لغة خارجية أو أثرا أجنبيا، بل لغة موجودة في كل نزعة صوفية تعبر عن ماهية التجربة الروحية وبنائها المزدوج وتحويلا للصراع السلبي في الواقع إلى صراع إيجابي في العواطف والقيم وتعبيرا مجسما عن هذا الصراع بلغة النور والظلمة. وصور النور والنار صور ملائمة للمعبود الجسم الذي هو في نفس الوقت أكثر من جسم؛ لأنه يسمع أو يضيء.
137
وقد يكون المعبود هو الفضاء، أي جسم تحل الأشياء فيه، ليس بذي غاية ولا نهاية.
138
فالفضاء صورة الاتساع، وهو ليس بجسم ولكن الأشياء قائمة به. فصورة الفضاء تجمع بين الصورة والجسم، فلا هو صورة لأن الفضاء جسم ولا هو جسم محدد معين، فيكون حينئذ صورة. هو إثبات للمكان ونفي له، في كل مكان وفي مكان، في السماء وفي الأفق، وسط في كل الاتجاهات، الأمام والخلف، الأعلى والأسفل، اليمين واليسار، محيط بالإنسان من جميع جوانبه، وسط بين الحركة والثبات، لا يتحرك لأنه ثابت، وليس بثابت لأنه يتحرك، فالريح والكواكب والطيور تتحرك فيه. وهو وسط بين النور والظلمة، مرة مظلم بالليل ومرة منير بالنهار وفي ضوء القمر، وسط بين السماء والأرض يجمع بينهما بل ويوجد بينهما في الأفق، وسط بين العتمة والشفافية، فالفضاء ليس شفافا لأنه محمل بجسيمات الأتربة وليس معتما لأنه يسمح بالرؤية. صورة الفضاء إذن أفضل صورة تعبر عن مقتضيات التشبيه والتنزيه فهو جسم، ولكن لا حدود له، كما يجمع بين الحس والعقل، فهو مرئي بالحس ومعقول بالذهن.
وقد يكون المعبود أحد مظاهر الطبيعة أو مشابها لها أو أقل منها. فمثلا يكون الجبل أعظم منه لأن الجبل شاهق عظيم جليل،
139
مما يدل على أن المعبود افتراض محض، وأن المجسم باحث عن الطبيعة لا عن الجسم. التجسيم إحساس بالطبيعة مختلط بعواطف التأليه الناشئة عن ظروف نفسية واجتماعية، لكن الإحساس بالطبيعة هو الغالب. وقد عينت عواطف التأليه المعبود وحددته رغبة في الإمساك بشيء لا يضيع تعويضا عن الحق الضائع.
وأحيانا يخف التجسيم للغاية ويقترب من التنزيه، بل وتستعمل عباراته وصوره. حينئذ يكون المعبود مشابها للأجسام من جهة وإن لم يكن جسما، فما بين المعبود وبين الأجسام مجرد تشابه.
140
هو جسم لا كالأجسام أو جسم خارج عن جميع صفات الجسم، ليس بطويل ولا عريض ولا عميق، لا يوصف بلون ولا طعم ولا مجسة ولا شيء من صفات الأجسام. هو موجود فقط، ويقتصر على هذه الصفة دون غيرها من الصفات. يقل التعيين بالصورة، ويصبح جسما دون صورة لا كالأجسام. تعني جسم أنه موجود دون أن تكون له أجزاء مؤلفة وأبعاض ملتصقة. وهي في حقيقة الأمر عبارات لا تدل على شيء لأنها تنفي ما تثبت. هي مجرد صورة ورغبة في الإبقاء على توازن الشعور بين الحس والعقل، وهو أقرب إلى تصور بعض المنزهة.
141
في هذه الحالة يطغى التنزيه على التجسيم ويتحول المعبود إلى جسم لا كالأجسام، وشيء لا كالأشياء.
142
وقد يكون التشبيه مطلقا بلا تعين فيكون المعبود شبيها بخلقه وهو ما يعنيه البعض بدلالة المخلوق على الخالق. فهناك شيء واحد ذو طرفين. فإذا كان الخلق يعني حركة الخالق للمخلوق، فإن المعرفة تعني الحركة المقابلة من المخلوق إلى الخالق كما تقول الصوفية الذين يشاركون أيضا في التشبيه.
143 (4-3) الجوهر
لما فرضت الطبيعة نفسها على التوحيد في التجسيم والتشبيه على حد سواء في تصور المعبود على أنه جسم طبيعي له حد ولون وطعم ورائحة، ويمكن رؤيته كان الجسم أكثر تعبيرا عن الروح من المجرد، الجسم الميتافيزيقي، الأنطولوجي، الوجود، الشيء ضد المبدأ الفارغ، الهوية الصورية الذي يخاطر التنزيه بإثباته. لذلك يفصل التعبير بالجوهر، فيكون المعبود جوهرا أي جسما لكن أكثر عظمة وجلالا. كل الأجسام جواهر ولكن ليست كل الجواهر أجساما. هناك الجواهر الخالصة والمفارقة كما يتصورها الفكر الديني. فاعتبار المعبود جوهرا لا جسما ابتعاد عن التجسيم في الطبيعة واقتراب من التنزيه في العقل في محاولة الشعور إيجاد التوازن بين قطبيه: الحس والعقل.