123
ومن الطبيعي أن تكون الصورة المثلى للتشبيه هي صورة الإنسان لطبيعة الصلة بين الإنسان والله. فالإنسان بطبيعته لا يدرك الأشياء إلا طبقا لتكوينه، ولا يدرك العالم إلا عالما إنسانيا، فإذا عظم عظم الإنسان مضخما إلى الحد الأقصى. وقد ساعد الخبر على ذلك. إذ إن الخبر يؤكد نفس المعنى وهو «أن الله خلق آدم على صورته ومثاله». لذلك لا يفترق الشيعة عن أهل السنة في إثبات التجسيم بالرغم من اختلاف الدوافع، جماعة الاضطهاد عند الشيعة والخبر الحرفي عند أهل السنة، والخلاف بينهما هو في الدرجة لا في النوع. وبالرغم من التجسيم إلا أنه يبدو أحيانا أن المعبود جسم لا كالأجسام ولحم لا كاللحوم ودم لا كالدماء، وكذلك في سائر الصفات لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء،
124
مما يدل على أن التجسيم هو البداية، ولكن قد يكون التنزيه هو النهاية، وأن التجسيم هو الموقف العارض وأن التنزيه هو الموقف الدائم بصرف النظر عما إذا كانت أمثال هذه العبارات المثبتة والمنفية لنفس الشيء تدل على شيء. (4-2) الجسم
ويتدرج التجسيم من صورة البدن ذي الجوارح والأطراف إلى صورة الجسم، أي جسم، ثم إلى صورة الشيء، أي شيء. تكبر صورة البدن وتصبح جسما مجسما، وتختلف تصورات الجسم. فمرة يكون جسما ذا أبعاد ثلاثة، ومرة يكون جسما قابلا للقسمة وللاجتماع والافتراق، ومرة جوهرا قابلا للأعراض. ولكن التصور الذي استقر هو الجسم ذو الأبعاد الثلاثة فهو الأقدر على التصوير في حين أن القسمة تفتيت وتصغير، والجوهر القابل للأعراض تصور طبيعي، وكلاهما دخل من قبل في أدلة إثبات الصانع.
125
الجسم له أبعاد ثلاثة: الطول والعرض والعمق، انتقالا من بدن الإنسان إلى جسم الطبيعة، ومن الجسم البشري إلى الجسم الكوني.
126
المجسم أكثر عظمة من المسطح. وفي الحياة اليومية يوصف الغبي بالسطحية والذكي بالعمق. وفي حضارات أخرى مجاورة أمكن تجاوز المسطح في الرسم والسينما إلى التكعيبية والسينما المجسمة. كما أمكن في الرياضيات صياغة هندسة أخرى غير مسطحة وهي الهندسة اللاإقليدية. وفي الحساب يكون حساب الأحجام أكثر تعقيدا من حساب المسطحات. وفي الطبيعيات أمكن إدخال الزمان كبعد ثالث للظاهرة الطبيعية. الأبعاد الثلاثة إذن أكثر تجسيدا للروح من الأجسام ذات البعدين، فالأجسام أعمق من المسطحات. والأبعاد الثلاثة متساوية. فالتساوي أكثر اتساقا من الاختلاف، وأكثر رونقا من اللاتساوي. لذلك كان المعبود عند البعض رياضيا، علة الاتساق في الطبيعة. الأبعاد المتساوية تعبير عن التآلف والانسجام وهما من مقولات الروح. التساوي هو الصورة المثلى في الرياضة. فالمثلث المتساوي الأضلاع رمز للتجانس الرياضي. هذا التآلف والانسجام، كما هو معروف في تاريخ الرياضة عند القدماء، الهنود واليونان وعند بعض الفلاسفة المحدثين، تعبير عن المعاني الروحية والأذواق الدينية والعواطف الإلهية.
127
كذلك يرى البعض أن هذا التصور مجرد صورة فنية للتعبير عن عواطف التأليه دون أن تصف شيئا في الواقع.
128
وأحيانا يدخل المقدار لقياس الجسم فيكون المعبود سبعة أشبار بشبر نفسه، له قدر من الأقدار في طوله وعرضه وعمقه لا يتجاوزه.
129
والمقدار مقولة كمية تتفق مع الجسم. وقد اختير المقياس سبعة لما في العدد من رمز معروف في الاتجاهات الغنوصية، سواء في حضارتنا القديمة عند الإسماعيلية والباطنية والصوفية بوجه عام أو في الحضارة اليونانية عند الفيثاغورية أو في الفكر المسيحي في رؤيا يوحنا وفي الاتجاهات الإشراقية. ولكن ما هو شبر النفس؟ يبدو في المقدار تداخل المقياس الإنساني «سبعة» مع المقياس الإلهي «شبر نفسه» حتى يظل التجسيم مفتوحا على التنزيه، والمحدود متصلا باللامحدود. قد يكون ذراعا أو ميلا،