تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

117

وهنا يلتقي التجسيم مع الأدب الصوفي في استعمال الأسلوب المكشوف أحيانا في التعبير عن الله ذاتا وصفات وأفعالا. ولو كان المجسمة فنانين لأعطونا لوحات عديدة أو تماثيل عدة تمثل جمال البدن بجميع أعضائه، ولو كانوا أدباء لأعطونا نماذج رائعة من الأدب المكشوف في المسرح أو السينما أو الرواية. وأحيانا لا يوصف البدن وحده عاريا، بل يوصف بلباسه، فيكون المعبود إنسانا في أبهى حلة وأروع زينة. وأحلى الأبدان هو البدن الملوكي، وأحلى ما يزينه هو التاج.

118

فالتاج كمال للرأس وزينة لها، وتأكيد لأهمية صاحبها ودور شخصها في الرئاسة. وقديما طالما تقاتلت المجتمعات والأسر من أجل التاج، وطالما كان التاج مطمعا للطامعين وسببا لاغتيال الآباء والأبناء وذوي الأرحام، وموضوعا خصبا للأدباء عامة ولكتاب المسرح خاصة «في سبيل التاج».

وقد يكون الجسم بلا حياة، جثة هامدة، جثة إنسان من لحم ودم وشعر وعظم.

119

ويبدو هنا أن التجسيم مجرد صورة فنية من صنع الشعور أو الخيال دون تطبيق لقواعد المنطق أو لقوانين العقل. كيف يكون المعبود جثة بلا حياة وهو رمز الحياة؟ وكيف تكون الجثة بلا حياة ولها في نفس الوقت أعضاء؛ لأن انعدام الحياة يؤدي إلى تحلل الجسم وتآكل الأعضاء؟ كيف تتقلب صورة الثبات على صورة الحركة؟ هل هذه صورة الزعيم القتيل المسجى تعبر عن رعب الجماعة؟ أم أنها صورة الزعيم القوي نظرا، الميت عملا، القادر على العمل بالأطراف، والكلام باللسان؟ قد يشير ذلك إلى مبلغ الحب الذي توليه الجماعة للزعيم الشهيد أو الصوفي لله فيتمثله إما بشرا سويا، جسدا للعناق والملامسة والمجاورة في الدنيا أو للتأمل والبكاء والنواح والتحنيط والتخليد ثم العبادة والتأليه. وقد تعقد التشبيهات للإنسان ككل فإما أن يكون المعبود شابا أمرد جعدا قططا أو شيخا أشمط الرأس.

120

وأحيانا يكون البدن بلا لحم أو دم أو عظم. وفي هذه الحالة يكون من نور ساطع بياضا. ثم يتجسم النور درجة ويصبح للمعبود وفرة سوداء وقلبا تنبع منه الحكمة حتى تكتمل الألوان ويظهر التقابل بين الأبيض والأسود

121

تجسيما للنور والظلمة. وهذه الشعرة السوداء نور أسود. والنور مادة أشرف من الشعر، وأكثر شفافية وإثارة للخيال. ومع ذلك لا تجوز عليه الحركة والانتقال لأن الثبات أكثر عظمة من الحركة. النور هو التأليه من خلال الضوء، فالضوء أكثر الأجسام الطبيعية شفافية وأسهلها في الرؤية. النور مادة ولا مادة، يجمع بين التجسيم والتشبيه والتنزيه. وهي المادة المختارة لتشخيص الآلهة ولتصوير الله كما هو حادث عند الصوفية. ولغة النور والظلمة موجودة في كل دين، ترمز إلى الخير والشر، ويتجسدان في إلهين كما هو الحال في المانوية والزرادشتية. والنور في الصور الدينية شائع في الفن الديني، فيرسم المسيح أو أمه يحيط برأسه هالة من نور. وفي الفن المصري القديم ترمز أشعة الشمس ونورها للوجود الإلهي. وفي المأثورات الشعبية يحيط النور بالملاك وبالقديس، ويستعمل في لغة الترحاب، ويحل بقدوم القريب أو الصديق، ويهل بدنو الحبيب، ويقترب مع شهر الصيام. وكما يكون النور خالصا بلا أجسام ولا أبدان، فإنه قد يتجسم ويصبح نارا تعبد.

122

وقد يقوى النور فيصبح نارا، منها مادة الخلق، وتنسج حولها أسطورة من أساطير الخلق قائمة على تعارض النور والظلمة وعلى درجاتها المتفاوتة، ويصبح المعبود أكثر درجات النور شفافية تعظيما له وإجلالا، وذلك في مقابل الظلمة التي تطرأ عليها الآفات. الحق في مواجهة الباطل، والعدل ضد الظلم، وهو الموقف السياسي الذي توجد فيه جماعة الاضطهاد.

وقد يكون السبب في التجسيم الرغبة العارمة في الحصول على الشيء الضائع، والانكباب على الحس، ومد اليد للقبض على الموجود. فمن يضيع منه الإمام ينكب على بدنه كبكاء الإنسان على فقد عزيز وارتمائه على جثته، وتشبثه بنعشه، وكتمسك الأم بثياب الابن، وكتشبث امرأة العزيز بثياب يوسف. والضائع يذهب يمينا ويسارا، ويمسك بأي شيء رغبة في الاستقرار والهدوء. وفي الحضارات المجاورة لنا الآن التي بدأت برفض كل الموروث لجأت إلى الحس والتجربة من أجل تجسيم الحقيقة الضائعة أو المرفوضة.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٦٣