تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

106

ولما لم يكن جسما فإنه لا يكون مدركا بالحواس، فلا يكون حارا أو رطبا أو يابسا أو طريا لأنه ليس جسما تحول إلى جسم أو إلى الشعور أو مادة مصمتة تحولت إلى مادة حية في الشعور الخالص.

107

وهو غير محدود لا متناه، فالتحدد والتناهي من صفات النقص ولا يتصل بالمحدود المتناهي. وهنا يبدو أن التنزيه هو الجامع لكل الاتجاهات: التأليه والحلول والاتحاد والتجسيم والتشبيه.

108

التنزيه هنا يتعدى الحدود ويرفض التقسيم، ويكسر القيود، ويتحرر من كل قيد. يقوم الشعور فيه بعملية التحرر هذه عن طريق التعالي المستمر.

109

وليس المهم في كل ذلك هو الحجج العقلية التي تكرر أدلة الحدوث، بل المهم هو الانتهاء إلى نقطة اتفاق وهي رفض التجسيم والتشبيه على أنها مواقف يرفضها الشعور ويقف منها موقف السلب. (4-1) البدن

إذا قل التأليه درجة، وإذا غاب الشخص التاريخي الذي يستخدم كنقطة بداية للتأليه أو كمشجب تعلق عليه العواطف والانفعالات الإنسانية، حدث التجسيم، أي تصوير الله في صورة بدن أو جسم أو شيء، لا بدنا بعينه، بدن علي أو أبدان بنيه أو بدن الإمام، بل أي بدن يكفي أنه بدن الإنسان، فالله لا يمكن تصويره إلا على صورة إنسان، أي إنسان، الإنسان العام دون أي تعيين للأطراف. وهنا لا يكون الحديث عن الإمام بالذات، بل عن أي بدن. وقد يكون إنسانا بلا جسم ، تكفي صورة الإنسان.

110

فلا يحتم القول بالبدن القول بالتجسيم، فقد يحدث التشبيه دون التجسيم، حينئذ يكون المعبود إنسانا دون تعيين أو تجسيم، يكون «الله» على صورة إنسان دون أن يكون له لحم ودم. الإنسان هنا هو الإنسان من حيث هو إنسان، الإنسان الأنطولوجي الخالص. وقد يظهر التجسيم في صورة المجوف والمصمت. فالمصمت صورة للملاء والرزانة والثقل والعظمة كالجبل وكرة الحديد، وهي إحدى الصور الدينية «الله الصمد»، والأجوف صورة للخلاء والشفافية والخفة والطهارة والعلو والصعود، وهو تجسيم للتنزيه أو تنزيه للتجسيم، صورة إنسانية خالصة. الجزء الأسفل محل للشهوات والغرائز، والجزء الأعلى مجوف محل للحكمة والمعارف العقلية، سواء كان البدن حيا أم ميتا، له أعضاء أم ليس له أعضاء.

111

ولكن الغالب أن الجسم بدن، ذو أعضاء، أطراف وحواس مثل أطراف وحواس الإنسان، مثل اليد والرجل والأنف والأذن والعين والفم. وقد يزيد البعض كل شيء إلا اللحية والفرج.

112 «الله» بدت له أطراف ووجه وعينان ويدان ورجلان وجوارح وأعضاء، وله حواس خمس.

113

وتتفاضل أجزاء البدن، فالوجه أفضل ما في البدن، وإذا هلك البدن فإن الوجه يظل خالدا.

114

فالوجه هو الذي يحمل العلامات المميزة للإنسان، وهو الذي يؤخذ كعلاقة له في الصورة للتعرف على الشخص، وهو الذي يتغنى به المحبوب، ويصف به وجه الحبيب، حسنه وجماله، ويتمنى رؤياه. وفي بعض الأحيان يكون أفضل ما في البدن هو الرأس، أي المكان الذي به الوجه؛ لأن الرأس به حياة البدن، بها الوجه المعنوي، وبها مراكز الحس والحياة، بل هو شرط الحياة.

115

فالحياة بلا أطراف ممكنة، ولكن الحياة بلا رأس مستحيلة. الحياة بأطراف صناعية ممكنة، ولكن الرأس لا يمكن استبداله. وصورة الرأس معروفة في تاريخ الأديان، فرأس المسيح يمثله البابا، ورأس بولص تدحرج ثلاث مرات إثباتا للتثليث، وفي الأمثلة الشعبية القسم بالرأس. وفي الصور اللغوية رأس الشيء قمته وأساسه وصلبه. وفي التصور الشعبي قيمة العضو الجنسي للذكر ليس فقط في الطول بل في الرأس. وفي بعض الأحيان يكون أفضل ما في البدن هو الجوف إشارة إلى القلب أو الروح.

116

فالجوف يرمز إلى الداخل، الداخل أكثر قيمة من الخارج، وهو صورة للسر والباطن والمختبئ. الجوف مصدر للحكمة، وهو منبع العلن. وقد يكون الحديث عن البدن بلغة مكشوفة. فلا حرج في الحديث عن العورة والاستدارة، ولا حياء في البدن.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٦٢