تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكما يكون الحلول كليا بحلول ذات الله في الإمام يكون أيضا جزئيا بحلول روح الإله في الشخص إن لم تحل ذاته في ذاته، وذلك إبقاء لبعض الفرق بين المستويين، بين المطلق اللامحدود والنسبي المحدود، وجعل العلاقة على مستوى الروح إن لم تكن على مستوى الطبيعة.

56

وينتقل هذا الروح الإلهي من إمام إلى إمام عن طريق التوارث. فلا يتوارث العلم وحده، بل أيضا الشيء وهو الروح الإلهي. المعرفة والوجود كلاهما متوارثان. تنتقل الروح من النبي إلى آخر، أو من إمام إلى آخر حتى تصل إلى آخر الأئمة. فلا حديث هنا عن ذات الله، بل عن روح الله، وهو الروح القدس الذي يحل في الأنبياء ثم في الأئمة، ويكون الحلول هنا حلولا روحيا خالصا. الذي يهم هو روح الله وروح الإمام، لا شخص الله وشخص الإمام. الروح باقية، وبين الله والأئمة حبل لا ينقطع واستمرار دائم بفعل الروح. إذا توفي الإمام حل الروح في إمام آخر.

57

ويمكن وصف الحلول من أوله إلى آخره، من روح الله إلى آخر الأئمة. تحل روح الله في آدم ثم في الأئمة من بعده حتى الإمام الأخير، قد يكون السابع أو الثاني عشر أو الغائب الذي يظهر في آخر الزمان.

58

وانتساب الأئمة الآلهة إلى آدم أول الخلق يعطيهم أولوية في القدم. فالقدم أكثر تعبيرا عن الإجلال والتعظيم من الحدوث، والسابق أكثر عراقة من اللاحق، والآباء أكثر مدعاة إلى الاحترام من الأبناء على الأقل في النظرة المحافظة. وقد حدث نفس الشيء في تاريخ الأديان عندما ألحق بولص المسيح بآدم وألحق الصوفية محمدا بآدم، وقص كتاب التوراة حياة موسى ابتداء من آدم. وهذا إحساس وجداني أكثر منه حقيقة موضوعية ظهر في كل قيادات الجماعات المضطهدة التي نالت الشهادة، تعظيما وإجلالا.

وقد تكون علاقة الأئمة بالإله علاقة توالد، ويكون الأئمة الآلهة أبناء الله، أبناء آلهة كالأب الإله.

59

فعلاقة الأبوة والبنوة أفضل ما لدى الإنسان من تعبير عن الاتصال والاستمرار والقرب والاتحاد على ما هو معروف في تاريخ الأديان في المسيحية خاصة، وفي الدين المصري القديم والدين اليوناني عامة. فالمسيح وفرعون أبناء الله، وآلهة اليونان صدرت عن زيوس، وهي صورة شعبية تدل على وجوب القرب بين الشخص المبجل المعظم وبين الله، فيصبح ابن الله وحبيبه. وكثيرا ما يعظم الابن الأب وينده أو على أقل تقدير يكون مثله في العظمة، فيصير الابن إلها كالأب كما هو معروف في حالة المسيح وفرعون: فالمسيح إله، وفرعون إله.

وفي التأليه تتعدد الآلهة وتتعدد الأئمة، ويتفاضلون فيما بينهم. هناك إله أعظم من إله، وإمام أفضل من إله.

60

صحيح أنهم كلهم يعيشون في مدينة الآلهة كآلهة الأولمب أو كمدينة الصوفية كأقطاب وأبدال تجمع بينهم علاقة الأبوة والبنوة، أي علاقة التوالد والأنساب، علاقة الأصل بالفرع ولكن ذلك يقتضي أيضا ترتيب الأئمة الآلهة أو الآلهة الأئمة في سلم قيم حسب قدرهم من العظمة والجلال. هناك الإله العظيم، وهناك الإله الأقل عظمة. هناك إله الآلهة، وهناك صغار الآلهة على ما هو معروف في تاريخ الأديان، خاصة في الديانتين اليونانية والرومانية.

وقد يكون الحلول مجرد تشكل الروح في عديد من الصور وتقلبه عليها، وهو المعروف بعقيدة التناسخ.

61

إما لأن الروح لا ترى إلا في صورة حسية ولا ترى مجردة بلا صورة، وإما لتفسير تعدد الآلهة والأئمة وصدورهم من مصدر واحد، ورد التعدد إلى الوحدة. والتناسخ نوع من الخلود لأن الروح تبقى والأجساد تفنى، الروح واحدة تتوالى على أجسام كثيرة.

62

وهناك عدة فروق بين الحلول والتناسخ. منها أن الحلول يبدأ من روح المعبود ثم ينتقل في الإنسان ثم في إنسان آخر بالوراثة حتى آخر الأئمة. الإمام من حيث المبدأ وإنسان من حيث النهاية. فهو إله وإنسان معا. أما التناسخ فقد لا يبدأ من روح المعبود ضرورة، ويكون بحلول الروح أيا كانت سواء إلهية أم إنسانية في بدن آخر، وبالتالي فهو أقل درجة من الحلول. ولا يتم الحلول إلا في بدن إنساني في حين أن التناسخ قد يحدث في بدن الإنسان وجسم الحيوان. وإذا كان الحلول نوعا من الفضل، فإن التناسخ نوع من العقاب إذا حل في بدن أو في جسم أقل درجة من البدن الأول أو من الجسم الأول. والحلول للروح في حين أن التناسخ للعقل. فالإنسان مكلف بالعقل قبل الرسالة وقبل الخلق. وفي الحلول إسقاط للتكاليف على الإطلاق في حين أن في التناسخ فرضا للتكاليف على الإطلاق.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٥٨