63
وفي عملية التأليه تظهر الأضداد. فلكل إله أو إمام ضد. والأضداد معروفة في تاريخ الأديان. هناك إله للنور وإله للظلمة، إله للخير وإله للشر، أهرمان وأرمزدا، خاصة في الديانات المثنوية كالمانوية والمزدكية والزرادشتية. النبي ضده أبو بكر، وعلي ضده عمر، والحسن ضده عثمان، والحسين ضده معاوية، وفاطمة ضدها عمرو بن العاص.
64
وقد لا تكون الأضداد بالضرورة مرذولة لأن بفضلها أمكن معرفة أضدادها الخيرة، فالنقيض هو الذي يوجد الموضوع ويظهره، والحقيقة لا تظهر إلا بنقيضها. والأضداد حقيقة إنسانية شخصها اللاهوت في عملية التأليه، ولكن أساسها الانفعالات. هناك المحبة والكراهية، الولاية والعداوة، التواضع والغرور، الأمل واليأس، الفرح والحزن إلى آخر ما هو معروف من تحليل الصوفية أو علماء النفس للانفعالات الإنسانية وتثبيتها بين النقيضين، سماها الصوفية أحوالا وعلماء النفس انفعالات موجبة وسالبة. وقد تتحول هذه الأضداد من مستوى الانفعال إلى مستوى العقل، فتظهر ثنائيات الأخلاق المثالية بين الخير والشر، الفضيلة والرذيلة، الأنانية والغيرية أو ثنائيات التشريع المثالي من حلال أو حرام، وإيمان وكفر، وثواب وعقاب، وأمر ونهي. وقد تتشخص الأضداد في التشبيه فيما يتعلق بالأخرويات من جنة ونار، وملاك وشيطان، ونور وظلمة، ويمين ويسار، وحلو ومر، وإشباع وحرمان.
وكثيرا ما تساعد العامة على التأليه. فالعامة بتكوينها النفسي البدائي، وضعفها العقلي الثقافي تحتاج إلى وظيفة جماعية أو إلى فرد تصب عليه انفعالاتها وعواطفها، ترى فيه المحقق لأمانيها والملبي لرغباتها، والمدافع عنها في ساعة الخطر؛ لذلك تحتاج المجتمعات البدائية أو المتخلفة للزعامة، وتأليه الأفراد، وعبادة الأشخاص بخلاف الجماعة الواعية التي إن ادعى فيها أحد الأشخاص الألوهيات لأخمدت الدعوة في مهدها لمعارضة الجماعة لها. فألوهية الأشخاص لا تسري في الجماعة الواعية. وقد تستعمل الخرافة والخزعبلات ووسائل السحر المختلفة لإيهام العامة بألوهية الأشخاص كما هو معروف من وظيفة السحر في الديانات البدائية.
65
فإذا وعت الجماعة اكتشفت كذب الإمام ولكن ألهت غيره، وذلك لاستمرار وظيفة التأليه في شعور الجماعة.
66
فإذا ما وعت الجماعة فإنها قد تتبرأ من الإمام. فبالرغم من تسلسل الأئمة من نفس المصدر وارتباطهم بنفس الروح وتعبيرهم عن نفس الحقيقة قد تظهر العداوة بينهم، فيكفر بعضهم بعضا على لسانهم أو على لسان جماعتهم مما يدل على أن ظروفا اجتماعية أخرى أقوى كانت مدعاة للتفرقة بينهم استطاعت أن تحتوي الظروف الاجتماعية الأولى التي كانت سببا في نشأة التأليه.
67 (3-2) الحلول في الصوفية
وقد يكون الحلول جماليا خالصا كما هو الحال في حلول الصوفية. وهنا يظهر ارتباط الألوهية بالجمال كما هو معروف في علم الجمال الديني وفي الحركات الرومانسية وفي الشعر الصوفي. جمال الطبيعة تجربة دينية، «فالله» جميل يحب الجمال، كما عبر عن ذلك الصوفية أصدق تعبير. ولا يمكن الرد على ذلك بعدم جواز حلول الجوهر في الأعراض، فالتجربة الصوفية الجمالية ليست تجربة عقلية منطقية.
68
وقد يكون الحلول نفسيا خالصا نتيجة لإحساس الفرد بالرسالة ووهب حياته لها والتزامه بمبادئها حتى ليشعر أنه قد اتحد بالغاية فيقول الوطني «أنا مصر» أو الفنان «أنا الفن» أو الشاعر «أنا الشعر» أو الصوفي «أنا الحق».
69
وذلك يتم عن طريق الإخلاص التام والتطهر المطلق والتضحية حتى تظهر شفافية النفس ويسقط بينها وبين موضوعها أي حجاب.
70
والطريق إلى ذلك محبة الله وإسقاط الشرائع؛ لذلك سمى الصوفية «أهل الإباحة» كرد فعل على كراهية العالم وظلم قوانين البشر ونفاق الشعائر والعبادات المظهرية. وفي حقيقة الأمر قد يؤدي الإحساس بالعجز وحده دون الإحساس بالاضطهاد إلى عملية التأليه كما حدث في التصوف الذي نشأ في ظروف مشابهة تقريبا لنشأة التشيع، مما يجعل البعض يوحد بين التشيع والتصوف. كلاهما انتهى إلى أن يصبح حركة مقاومة سلبية ضد النظام القائم وانقلابا روحيا فرديا إلى الداخل بعد أن استعصى مقاومة الخارج بالفعل، بعد أن استشهد أئمة آل البيت كما استشهد كبار الصحابة في مقاومة الظلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. التشيع حركة مقاومة شيعية والتصوف حركة مقاومة سنية. فكل من الإمام والصوفي لديه إحساس بالرسالة والدعوة لتحقيق الوعي من جديد كنظام مثالي للعالم بعد أن ضاعت فيه الرسالة، وأصبح العالم مسيرا بطبيعة أحادية الطرف. فالصوفي هو الإنسان الذين ما زالت الرسالة ظاهرة فيه وإن انحسرت عن العالم وضاعت من مجتمعه، وهو نفس الإحساس الذي لدى الإمام. وعند الصوفي إحساس بالعجز أمام القوى المادية وأنظمة الحكم. ونظرا لغياب أية محاولة لتحقيق الرسالة علميا بمعنى تكوين حزب أو جماعة سرية لمناهضة هذه القوى المادية ونظم الحكم القائمة وتجنيد الجماهير من أجل تمثل الأفكار الجديدة والعمل على تحقيقها اقتصر جهد الصوفي على الدعوة الفردية لبعض الأفراد وتكوين جماعات صغيرة منعزلة تقتصر على التربية الروحية، وتحول الدعوة شيئا فشيئا من دعوة عامة إلى دعوة خاصة ومن دعوة سياسية إلى دعوة أخلاقية، ومن العمل في العالم إلى الخروج منه. وهو ما حدث للتشيع أيضا من انغلاقه على نفسه، وتكوين جماعات سرية تعبر عن نفسها في التأويلات الباطنية والإغراق في الروحانيات. ولما كان الإحساس بالرسالة قويا، يزداد يوما بعد يوم بفضل التربية، ولما كان الإحساس أيضا بالعجز قويا يزداد يوما بعد يوم بفضل العزلة، تحولت الطاقة الإنسانية لها إلى أعلى وليس إلى الأمام، فصعدت الروح إلى أعلى بدل أن تسير في التاريخ إلى الأمام، فيشعر الصوفي أنه قد اتحد بغايته القصوى وأن رسالته قد تحققت بالفعل، في حين أن هذا التحقق قد حدث بطرقة منحرفة، إذ إنها تتحقق في الخيال وفي الشعور وليس في الواقع وفي العالم الخارجي، وهو وقوع في النرجسية الخالصة كنوع من الاكتفاء الذاتي والرضا عن النفس. كما أنها تتحقق بطريقة فردية في شخص الصوفي وليس على نحو جماعي في التاريخ، في جماعة وفي حركة تاريخية عامة. وهي تحقق إلى أعلى وليس إلى الأمام، فقد أصبحت الغاية متعالية وليست غاية في التاريخ، وما أسهل من تحقيق الفكر الطوباوي في الأذهان. (3-3) الاتحاد عند النصارى