تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا الإمام الكوني تسوده الأهواء والانفعالات، يسر ويغضب، ينافس ويصارع، يمحق ظله في البحر لأنه لا يريد إلها غيره، فهو ليس إلها عاقلا حكيما خلق الكون بناء على نظام وقانون، بل إله منفعل، وكل شيء خاضع لهواه. بل إن انفعالاته النفسية يصاحبها ظواهر جسمية. فهو يغضب ومن شدة غضبه يعرق بدنه. وهذا طبيعي بما أن هذه الصورة من خلق الشعور الانفعالي الذي هزته الصدمة وأفقدته الهزيمة التوازن النفسي. غاضب لما ألم به من ظلم وعدوان، يصارع الأعداء، ولا يقبل أحدا بجواره؛ لأنه لم يعد يثق بأحد، وهي الصورة التي أصبحت فيما بعد صورة المتسلط القاهر. (6)

والإمام المؤله لا يموت. فكما أنه أزلي لا أول له فهو أيضا أبدي لا نهاية له. وهو ليس وحده خالد، بل يكون أيضا كل من اتصل به أو عبده أو على الأقل البعض منهم، فالخلود يسري بالاتصال وينتشر بالتبعية. كل من اتصل بالخلد فهو خالد، وكأن الإمام يشع خلوده على الآخرين، وتسري عدوى خلوده في جماعته. ليس الخلود صفة خاصة ثابتة، بل هي صفة مشعة. وقد يكون الخلود لأبدان الآلهة، ففي لحظة الموت يرفع الإمام ببدنه إلى السماء، وتحل روحه في بدن إمام آخر. فالإمام خالد بدنا وروحا.

53 (7)

والإمام المؤله قادر على إحياء الأموات وإجراء المعجزات، سواء بفعله أو باسم الإله الأعظم تبعا لدرجة التأليه، فهو يفعل باسمه لو وصل إلى أقصى درجات الألوهية. ويفعل باسم الله الأعظم لو كان يحفظ بينه وبين الله درجة. وإجراء المعجزات رد فعل على العجز في الطبيعة، والسيطرة المطلقة عليها رد فعل فقدان السيطرة الكلية عليها. ويتدخل الخيال للتعبير عن طريق إجراء المعجزات مستعينا بالصور الدينية مثل انشقاق الأرض. فبدل أن تنشق الأرض في نهاية الزمان تنشق الآن، ويرجع الموتى أحياء إلى الدنيا. وهو قادر على إحياء الموتى وإعطاء الخلود كقدرة عيسى، وكأن قدرة الإنسان الإله على السيطرة على الطبيعة العلوية تعوضه عن خسائره في الدنيا في عالم البشر، وتعطيه من جديد الثقة بالنفس والأمل بالانتصار.

54 (8)

ويأخذ الإمام المؤله وظائف الإله في حساب وعقاب المؤمنين. فهو الذي يحاسب ويعاقب، يرحم ويشفع، يقف الجميع بين يديه كما هو معروف في تاريخ الأديان من معاقبة المسيح وإثابته للناس.

55

ويكون الحساب هذه المرة أكثر عدلا من حساب البشر الذي يقوم على الظلم، والعدل الإلهي في النهاية هو القاضي على الظلم الإنساني في البداية.

ومن التأليه يمكن استخلاص النتائج الآتية: (1)

الإنسان إله، أو على الأقل يمكن أن يؤله. فهو الموجود الوحيد الذي يمكن أن تبدأ منه عملية التأليه، ويكون الإنسان إلها ليس فقط عن طريق الاتحاد بالمؤله كما هو الحال عند الصوفية، بل كبديل عن المؤله ذاته. الإنسان ليس نبيا ملهما كما هو الحال عند الفلاسفة وليس وليا ملهما كما هو الحال عند الصوفية، بل هو نفسه إله. وهذا يجعل الإنسان في أعلى مستوى من الشرف بالنسبة للموجودات الطبيعية. (2)

لا يسقط الإنسان من ذاته تصوراته وصوره وعباراته على المؤله فحسب، ولا يسقط عليه آماله وأحلامه ورغباته وأشواقه فحسب، بل يؤله ذاته مشخصا، أي يتجاوز الإسقاط النفسي واللغوي إلى الاعتقاد الشخصي. فالإنسان يؤله ذاته، ويعبد نفسه، ويقدس شخصه، وهو موقف نرجسي خالص، تتضخم فيه الذات حتى تمحى من أمامه كل الموضوعات. (3)

الله هو في الحقيقة عملية تأليه، ابتداء من شخص فاضل يتم تعظيمه وهو الله. وهو في الحقيقة في نشأته إنسان فاضل. وهذا ما حدث في عديد من الديانات الأخرى، فقد كان بوذا معلما فاضلا في مدينته، وكان تاو شيخا فاضلا في قريته كذلك. (4)

تحدث عملية التأليه هذه في جماعة وقع على قائدها الظلم، وعجزت عن الانتصار له بعد أن حاولت مرات عديدة. ومن ثم تتحول الهزيمة في الواقع إلى انتصار في الخيال، ويتحول الموت في الواقع إلى خلود في الخيال، ويصير عجز البطل في الواقع تأليها في الخيال، وإعطاءه قوة خارقة للعادة تجعله قادرا على إجراء المعجزات. (3) الحلول والاتحاد: الحلول في الأئمة والصوفية والاتحاد عند النصارى (3-1) الحلول في الأئمة

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٥٧