تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

47

وتكشف الأسطورة في ظل «الله» عن التمايز بين الوجود والظهر، بين الباطن والظاهر، بين الحق والباطل. بين الحقيقة والوهم. أما فردية الإله ووجوده ولا شيء معه فإنها تعبر عن الحكم المطلق والرغبة في التسلط: «لا ينبغي أن يكون معي إله غيري». أما عدم تحمل الأمانة وتخلي الناس عن مناصرة الحق، فإنه وصف لواقع جماعات الاضطهاد. ومن ثم تعبر الأسطورة مرة عن الواقع ومرة عن الحلم، مرة عن مرارة الألم والاضطهاد والهزيمة، ومرة أخرى عن قرب الفرج والفرح والانتصار. وبالرغم من هذه الوحدة الأولى في الخلق، فإنه يمكن التمييز في عملية الانفصال بين طرفين يمثلان الثنائية الخالدة المعروفة في تاريخ الأديان بين الخير والشر، وتشخيصهما في الطبيعة أو في الألوهية. هناك بحر مظلم، والآخر نير عذب، الأول يمثل الشر والثاني يمثل الخير، الأول خلق منه الكفار والثاني خلق منه المؤمنين.

48

وبالتالي يتحول البشر الفانون إلى أنماط أبدية للسلوك البشري تجسيدا للخير المطلق والشر المطلق. (3)

بعد الخلق الكوني يأتي الخلق الشخصي، ويبرز من الكون الشخص الأول كما هو الحال في حكايات الخلق والنصوص الدينية من خلق آدم بعد خلق الكون. ولكن الشخص الأول هنا هو محمد، وهو ظل، أي وهو صورة مجردة قبل أن تتمثل في مادة، وحقيقة خالصة أبدية قبل أن تتعين وتتزمن ثم إرسال هذا الظل إلى الناس قبل إرساله وهو رسول بشري. وهو ما قاله الصوفية فيما بعد عن «الحقيقة المحمدية» التي تشارك في صفاته ووظائفه، محمد الخالد الأزلي السابق على الخلق والتكوين الذي يوجه ظواهر الطبيعة، والذي تنبع منه العلوم والمعارف.

49

وفي أسطورة أخرى يأخذ على الدرجة الثانية بعد آدم. وفي أسطورة ثالثة أن الله لم يخلق شيئا، بل فوض كل ما فعله إلى محمد أو إلى علي، وهو الذي قام بهذه الوظيفة الكونية.

50

ويلاحظ في أسطورة التدبير عن طريق التفويض تضخم محمد وتحوله إلى كون ومدبر أول للعالم وواسطة بين الله والخلق. والإمام وريث لمحمد، لإرادته وتفويضه، مما يعطي إمام الجماعة المضطهدة قدرة إلهية، وتمثيلا للحق من خلال النبي. تضخم النبي ناتج من أنه في علاقة قرابة مع إمام الجماعة المضطهدة فقرابة الدم حامل لتفويض الرسالة. ومعروف في تاريخ الأديان أن بولص قال مثل ذلك في المسيح الأزلي الخالد السابق على الكون والخليقة المتحد بالله قبل المسيح عيسى ابن مريم.

51

وهو ما يحدث في كل بيئة يقع الاضطهاد على قائدها، فترفعه وتجعله يند عن كل اضطهاد ويتجاوز كل هزيمة، ويتغلب على كل ظلم. وأقصى درجات الرفع هي الألوهية بما تتصف به من خلود وأولوية على كل شيء، وعزاء وتعويض من كل شيء. ويتضخم الإمام حتى يبتلع الكون كله فيكون الكون هو الشخص، والشخص هو الكون، ويصبح الرسول وأهله السماء، وعلي وأهله الأرض.

52

وكأن التأليه الذاتي للعقائد وحده لا يكفي للتعبير عن العظمة والجلال، فيتحول إلى تأليه موضوعي ولأهله وللكون. وتتضخم ذات العقائد، إماما أو رسولا، وتتجه نحو الموضوع وتتحد به وتتمثله وتحتويه في باطنها. وكلما قوي الإحساس بالهزيمة والضياع اشتد التأليه للشخص حتى يحوي الكون كله. وقد يحدث هذا التشخيص للطبيعة كنوع من إسقاط العواطف الإنسانية على الطبيعة في حالات الهستيريا. فالمجنون يخاطب الأشياء، ويتحدث مع الموضوعات، ويوجه الحديث إلى الكون. قد يكون تشخيص الطبيعة نوعا من آثار الصدمة الأولى التي تلقاها الشعور الجماعي فأفقدته صوابه وأصبح لا يتحدث إلا مع الأشياء كما هو الحال في الديانات البدائية وفي المسرح اليوناني القديم عندما يخاطب البطل الموتور أو الكورس أو الأشياء المحيطة به. (4)

هذه الأولوية للشخص، سواء كان آدما أو محمدا أو عليا أو عيسى، ليست أولوية مادية كونية فحسب، بل هي أيضا أولوية معنوية خلقية. فالشخص هو الإنسان الذي رضي بحمل الأمانة التي عرضها الله على السموات والأرض والجبال وعلى الناس كلهم أن يمنعن عليا فأبين جميعا ولم يقبل إلا أبو بكره فأمره أن يتحمل منعه. وأعانه عمر غدرا كي يأخذ الخلافة من بعده. وهنا نجد تحويرا للأفكار الدينية وتوفيقا لها مع الظروف النفسية للجماعة. أولا، لم تعد الأمانة كما هو الحال في النصوص الدينية تطبيق الوحي، أي الإيمان بالله وفعل الخير، بل منع علي من القيام بالرسالة. وقد حدث هذا التحوير بالقلب من الضد إلى الضد، من القيام بالرسالة إلى منع القيام بها. ثانيا، بدل أن تعرض الأمانة على الطبيعة وحدها، كما هو الحال في أصل الوحي، عرضت على الطبيعة والبشر معا. فالبشر جزء من الطبيعة، والطبيعة مشخصة. ثالثا، بدل أن يكون الإنسان العام هو الذي يقبل الأمانة أصبح الإنسان الخاص هو الذي يقبلها وهو أبو بكر. فالظروف النفسية للجماعة حولت الأفكار الدينية إلى أسطورة بطريق القلب والتخصيص. (5)

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٥٦