44
الجماهير ما زالت مطحونة، مضطهدة، يقوم شعورها على سيكلوجية الاضطهاد، وبالتالي فهي مستعدة بهذا التكوين لتأليه الحكام. فيدرك الحكام ذلك أن الدين أنجع وسيلة للسيطرة على الشعوب، سواء طبقا لنصائح الاستعمار وخبرائه أو بدونها، ومع ذلك فهي سيطرة موقوتة لأن وعي الجماهير بمصالحها يستطيع أن يفك الإسار التاريخي، فيقضي ثقل الحاضر على قيود الماضي، وهو ما حدث في الثورة الإسلامية في إيران. لم تمنع عقيدة التأليه من ثورة الجماهير، وأصبحت قيادة الإمام سياسية خالصة تقود الجماهير، فانقلبت الشيعة سنة، والسنة شيعة.
45 (2-3) وظائف الإمام الكونية
والإمام المؤله يشارك الله في وظائفه. بل إنه يقوم بها كلية بمفرده وعلى رأسها وظائف الخلق وإحياء الموتى، وإجراء المعجزات في الدنيا، وحساب الخلق، وعقابهم في الآخرة. وبتحليل إحدى أساطير الخلق نجد الآتي :
46 (1)
يتم الخلق بطريقة كونية خالصة دون أي تمييز بين خالق ومخلوق. فالإمام الإله والكون شيء واحد، خالق ومخلوق معا. الله لا ينفصل عن الأكوان والأشخاص، بل يتجلى فيها كما هو معروف في الديانات البدائية في أساطير الخلق وتفسير نشأة الطبيعة من ذاتها ما دامت الطبيعة هي الله. يبدأ العالم من وحدة واحدة هو الله. كان الله ولا شيء معه، وحدة مجردة خالصة لا انفصام فيها ولا تعدد أو تكثر، خالصة بلا مادة أو تعين. ولما كان على صورة بدن له رأس، يطير ويحط، له ملبس وعلى رأسه تاج، فإن الخلق يحدث بانفصال جزء خارجي عنه وهو التاج، ولكنه جزء فاضل عزيز طبقا لتفاضل الأعضاء، فالوجه أفضل من اليدين، واليدان أفضل من الأرجل، يبصر ظله في البحر فهو والعالم وجهان لشيء واحد، يخرج الكون من بدنه طبقا للصلة الكونية بين بدن الله وبدن الطبيعة. البحران من عرق الله، ومعروف في تاريخ الأديان أن النيل من دموع إيزيس، والعالم جسد المسيح، والكنيسة رأسه. الشمس من ظل بدن الله في البحر، والعالم كله صورة لله أو انعكاس له في الماء. وقد تم الخلق بالكلام لا بالإرادة بمجرد أن تحدث الله باسمه. فالعالم صدى لكلامه ورنين لصوته. وعلى هذا النحو يفسر التجسيم نشأة الطبيعة نشأة أسطورية عندما يتم الخلط بين النفس والبدن، بين الروح والطبيعة، وتتوحد الثنائيات من خلال الإشراقيات، وفي هذه الأحوال تسبق الطبيعة الإنسان، ويخرج الإنسان من الطبيعة، وتكون الطبيعة هي الكون كله علوه وسفليه، ويخرج الجماد من السائل، والسائل من الجماد، الحي من الميت والميت من الحي. الدورة أساس الطبيعة. تتشخص الطبيعة، ويحيا الجماد، وتظهر للأشياء إرادة وعقل، وتتحدث الموجودات، تأبى وترفض، تجادل وتقترح حتى يمحى الفرق بين «الله» والطبيعة والإنسان. (2)
يكشف الخلق الكوني في حقيقة الأمر عن سيكلوجية الاضطهاد. فقد كان الله وحده أي تدمير العالم الظالم باستثناء الله العادل. وتم الخلق بالكلمة، فالكلمة سبب الشهادة. وقد ركز شعراء الجماعات المضطهدة على أهمية الكلمة، وكذلك في تاريخ الأديان، في البدء كانت الكلمة. ويرمز التاج الواقع إلى السلطة السياسية المنهارة، واقعا أو بالتمني، كرغبة مكبوتة، كما تعبر الأسطورة عن قدرية الأفعال، وجبرية المصائر، والقدر المحتوم في مسار التاريخ ليس فقط في الظلم بل أيضا في العدل، أو في الهزيمة وحدها بل أيضا في الانتصار. وقد كانت كثير من الحركات الثورية جبرية بمعنى اتحادها مع حتمية قوانين التاريخ، طبقا لجدل السيد والعبد. كما تبين الأسطورة رفض المعاصي والظلم والغضب من الشرور والآثام، فالوعي ما زال خالصا لم يتزيف بعد بفعل الدولة والنظام القائم. ويشير التعارض بين العذب والمالح، بين النور والظلمة، إلى الصراع بين الحق والباطل، بين العدل والظلم على ما هو معروف في الجماعات الإسلامية المعاصرة التي تمثل جماعات الاضطهاد اليوم.