38 (2-2) درجات التأليه وطرقه
ويمكن التمييز بين ثلاث درجات في التأليه: الألوهية، والنبوة، والإمامة، تبعا لعنف الصدمة أو ضعفها. فإذا كانت صدمة الجماعة الأولى عادية نشأ التأليه متدرجا من الإمامة إلى النبوة ثم إلى الألوهية تبعا لإضافة كل جماعة من خيالها وخلقها. أما إذا كانت الصدمة عنيفة نشأ التأليه أولا في أعلى صورة له في الألوهية ثم انخفض تدريجيا من الألوهية إلى النبوة ويصل إلى أقل درجاته في الإمامة، وقد تجمع الدرجة القصوى بين الألوهية والنبوة والإمامة معا، فإذا خفت حدتها جمعت النبوة والإمامة فحسب.
39
تعني الألوهية إذن على هذا النحو الانتقال من العدم المطلق إلى الوجود المطلق، ومن الهزيمة الشاملة إلى الانتصار المحقق، ومن الضياع الكامل إلى الوجود الكلي، وفي كل مرة يتأكد الضياع يزداد التأليه. ومع الإحساس بالعجز عن استرداد الحق الضائع تشتد انفعالات التأليه كتعويض عن هذا الإحساس بالعجز، وكأن النصر لا بد وأن يحدث بهذه الصورة الانفعالية الفردية، وكأن غياب الواقع لا بد وأن يجد تعويضا له في متاهات الخيال. التأليه إذن غياب للموضوعية، وإغراق في الذاتية، ونقصان في العقل، وزيادة في الانفعالات، وانسياق وراء العاطفة، وكأن الطاقة الإنسانية لا بد وأن تتصرف على أي وجه حتى ولو كان غير طبيعي، وعلى هذا النحو ادعت كل الفرق من غلاة الشيعة ألوهية «علي».
40
وكما يحدث التأليه ابتداء من شخص تاريخي موجود بالفعل مستوف للشروط، ويتم رفعه حتى يصير إلها، يحدث أيضا بحلول الله في الشخص ونزوله إليه بدل أن يرتفع الشخص إليه ويصير في مقامه. يأخذ التأليه إذن إحدى طريقين: الأول تأليه الشخص ذاته وتصعيده من حيز الشخص إلى نطاق الإله، وهو نوع من الإجلال والتعظيم عن طريق التفخيم بالتصعيد، وهو ما حدث لعلي ولبنيه ولبعض الأئمة، وهو ما حدث أيضا للأوتزي وبوذا. والثاني حلول الله في الشخص ذاته، أي تنزيل الله من نطاق الألوهية إلى حيز الشخص، وهو أيضا نوع من الإجلال والتعظيم عن طريق نزول الله وحلوله فيه. وهو ما حدث أيضا لعلي وبنيه ولبعض الأئمة من بعده، وهو الطريق المفضل عند الصوفية أنصار الحلول، وفي المسيحية عند بعض الفرق القائلة بطبيعتين للمسيح.
41
والعجيب تأليه من قتل الإله!
42
هل لأنه هو الذي كشف عن ألوهيته، خالصة من جسده، من أجل إطلاق روحه وتناسخها في غير؟ هل لأن الإله لا بد أن يقتل كما هو الحال في المسيح وأن ذلك جزء من الخطة الإلهية للكون، وبالتالي تدخل كل عناصرها وتصبح كل مكوناتها إلهية؟
وغالبا ما يرفض الشخص التاريخي المؤله والذي وقع عليه التأليه إسقاط هذه العملية الشعورية عليه، مما يدل على أن التأليه من فعل الجماعة وليس من ادعاء المؤله إذا كان على قدر كبير من الوعي النظري دونما حاجة إلى اللجوء إلى عقيدة الألوهية تقوية للعزائم وشحذا للهمم كما هو الحال في المجتمعات المتخلفة وجماعات الاضطهاد.
43
ويبدو أن التأليه الديني القديم قد تحول إلى تأليه سياسي معاصر، وأن الإمام القديم أصبح هو سلطان العصر، وأن أئمة الأجداد أصبحوا هم حكام العصر، وأن أولاد الحسن والحسين هم أولاد الجيش، وضباط الجند، وسواري العسكر. وبالرغم من أن التأليه قد حدث لدى فرق الشيعة باعتبارها جماعات الاضطهاد قديما، إلا أنه استمر عند أهل السنة باعتبارها جماعة الاضطهاد حديثا بعد المد الاستعماري الأوروبي والقهر الداخلي. ومن الطبيعي أن يحدث تأليه قائد الجماعة المضطهدة بفعل شعور الجماعة تعبيرا عن تجاوزها لآلام الهزيمة وانتصارها المعنوي، وتحويلها من الواقع إلى الخيال، ومن المشاهدة إلى الحلم، ومن الزمن إلى الخلود. ولكن العجيب أن يحدث ذلك من قواد الثورة، وعسكر الانتصار، وأن يدعى كل قائد اليوم الإله الفرد، والحاكم الأوحد، والسلطان المطلق. وهنا يبدو أثر التراث كمخزون نفسي عند الجماهير.