34
وتبدأ عملية التأليه ليس من أي شخص كان، بل من شخص تاريخي معين له بعض الأوصاف أو الشروط منها: (1)
الكمال الخلقي قولا وعملا: وذلك أنه من السهل الانتقال من الكمال الإنساني إلى الكمال المطلق. فغالبا ما كان الشخص المؤله متمتعا بصفات الكمال المادية والمعنوية، مثل الشجاعة والشهامة والقوة أو الحكمة والعلم والتقوى وحب الخير. وقد اجتمعت هذه الصفات في «علي» كما تروي النصوص وكما حفظ التراث المدون والشفاهي على السواء. بل إن هذه الصورة الكاملة للشخص التاريخي كانت باعثا على وضع كثير من النصوص المشابهة التي تذكر فضائله وآثاره وعلمه وحكمته. كما أن الكتب تؤلف باسمه وتنسب إليه.
35
ويساهم الخيال الشعبي في إحكام الصورة حتى تتحول إلى أسطورة خالصة.
36
والآثار المروية في فضائل «علي» لا تعد ولا تحصى. ويمكن تتبع نشأتها وتطورها ووصف عملية الخلق التي قام بها الخيال الشعبي. وتقوى الأسطورة وتتأصل إذا كان بعض هذه الآثار مذكورا في النصوص الدينية التي تؤمن بها الجماعة. تتأكد هذه الصفات وتتحقق في حياة الشخص كما يرويها التاريخ، ثم تتضخم في الأساطير الشعبية التي تحيل الشخص إلى بطل أسطوري يقوم بالمعجزات، ويقرأ الغيب، وينصر المظلوم، ويأتي في المنام متوشحا بالبياض. (2)
الحق الضائع: لما كان هذا الكمال الخلقي يعطي صاحبه نظرا وعملا الحق في الزعامة والأولوية في أخذ مكان الصدارة، فإن الذي يحدث بالفعل هو العكس، زحزحة هذا الشخص عن مكان الريادة فيصبح صاحب حق مهضوم. وبدافع إنساني خالص من نصرة المظلوم ورغبة في الحصول على الحق الضائع واسترداد الزعامة أو بدافع الرثاء والتعاطف والمشاركة الوجدانية يظهرها الأتقياء أو تعبر عنها العامة تنشأ حركة مناصرة واعية أو غير واعية للشخص صاحب الحق المهضوم، وتكون تيارا للمعارضة لها الحق نظرا وإن لم يكن لها الحكم عملا. وتأتي الصور والصيغ من التجارب المشابهة في البيئات الحضارية المجاورة، إما بطريق الأثر والتأثر أو بطريق الاستعارة اللاشعورية. وأحيانا تفرض التجارب الشعورية صورا وصيغا متشابهة دونما أثر أو تأثر أو استعارة.
37 (3)
الهزيمة: فإذا ما تشعبت المعركة بين دعاة الأمر الواقع وأصحاب الحق الضائع، ودارت الدائرة على المظلوم، واشتدت قوى الظلم، أصبح صاحب الحق المهضوم شهيدا لا يمكن مناصرته إلا بالانفعالات والنيات الحسنة أو باستمرار النضال مع بنيه وباقي الأئمة. فإذا ما توالت الهزائم على الأئمة ولم يحدث أن عاد الحق الضائع، ويئست الجماعة الناصرة له، واستحال النضال، تحولت المعركة إلى مجرد أماني وبكاء على الشهداء وتعظيما للأئمة وإكبارا للزعماء. وكلما ازداد الظلم اشتد التعظيم، وتحول الشخص التاريخي إلى شخص معنوي ثم تحول الشخص المعنوي إلى فكرة وحقيقة خالدة، فصار الشخص إلها، والأمير ربا. وهذا ما حدث لعلي وبنيه والأئمة من بعدهم. (4)
الاضطهاد: وبعد الهزيمة يتوالى الاضطهاد على أصحاب الحق الضائع. وتنشأ معظم الأفكار التي تنشأ غالبا من سيكلوجية الاضطهاد مثل الخلود والخلاص والعودة والاتجاهات الباطنية كما هو معروف من تاريخ اليهود القدماء أيام الأسر البابلي. وفي المسيحية نشأت عبادة القديسين واحترام رفات الأولياء والشهداء من اضطهاد المسالمين وقتل الأبرياء وظلم أصحاب الحقوق في عصر الشهداء. وقد عبرت رؤيا يوحنا عن هذا البناء النفسي القائم على الشعور بالاضطهاد، الصراع بين الخير والشر ، وانتصار الخير بالخيال في النهاية. فاضطهاد الأمويين للشيعة كاضطهاد الرومان للمسيحيين، وأسر نبوخذ نصر للعبرانيين.
وكما يحدث التأليه من الشعور الجماعي بالنسبة إلى الشخص الذي تجتمع فيه شروط التأليه يحدث أيضا من الشخص نفسه الذي تخلقه الجماعة كمخلص لها. ففي كل مجتمع مضطهد مغلوب على أمره، مستضعف يبغي الخلاص، تنشأ فيه أفكار الخلاص في المستقبل وتتشخص في صورة شخص المخلص الذي سيظهر عاجلا أم آجلا لتحقيق هذا الخلاص. فإذا ظهر الشخص ولم تؤلهه الجماعة أله هو نفسه إما فجأة من عنف الصدمة التي تلقاها المجتمع المهزوم فيؤله نفسه، وبالتالي يصبح نبيا وإماما، وإما تدريجيا عندما يصعب الخلاص ويصر على طلب النصر، فيحول نفسه من مجرد إمام إلى نبي ثم إلى إله ويكون التأليه هنا تعمية عما يحدث في الواقع وغطاء يستر الهزيمة، وأملا في سراب كتعويض عن مرارة الواقع واليأس من الخلاص. وهكذا ادعى صاحب كل فرقة من غلاة الشيعة الألوهية أو على أقل تقدير يبدأ بادعاء النبوة والرسالة. وما أن يفشل في تحقيقها أو بدلا من أن يحققها بالفعل حتى ينال الخلود يظن أنه قد حققها بالفعل، فيؤله نفسه ويخلدها ويعبدها نظرا بعد أن فشل أو عجز عن القيام بالرسالة عملا. فكل تأليه فشل وعجز. ويسهل تأليه الإنسان لأنه عندما يتأمل نفسه يجد أنه أشرف ما في الكون وأعظم آياته، فيؤله نفسه بالخيال بدلا من أن يعمل جاهدا فيخلد نفسه بالعمل. التأليه عملية يقوم بها العاجز أو معركة في الهواء يقوم بها الضعيف في حين أن تخليد الذات بالفعل عمل إيجابي ووجود موضوعي للخلود من خلال الفعل.