37
وقد دفع ذلك الأشاعرة إلى إثبات البقاء. لما كان «الله» محلا للحوادث، فإن الحوادث التي يحدثها في ذاته تكون واجبة البقاء، يستحيل عدمها. فلو جاز عليه العدم لتعاقبت على ذاته الحوادث ولشارك في الجوهر. ولو قدر عدمها فإما أن يتم ذلك بالقدرة أو بإعدام يخلقه في ذاته. ولا يجوز بالقدرة لأنه يؤدي إلى إثبات المعدوم في ذاته وشرط الموجود المعدوم أن يكون متباينين لذاته، ولا يجوز بالقدرة من غير واسطة إعدام وإلا جاز حصول سائر المعدومات وجواز طرد ذلك في الموجد حتى يوجد موجد محدث في ذاته وهو محال. وكما كانت الكرامية أفضل رد فعل على وصف «الله» بالقدم فإنها أيضا أفضل رد فعل على وصفه بالبقاء، مما يدل على ارتباط الوصفين معا الثاني والثالث في نسق عقلي واحد. ولا يجوز بإعدام وإلا لجاز تقدير عدم ذلك الإعدام فيتسلسل.
38
فذات «الله» لا تخلو في المستقبل من حلول الحوادث فيه، وإن كان قد خلا منها في الأزل مثل قول أصحاب الهيولى كانت في الأزل جوهرا خاليا من الأعراض ثم حدثت فيها، فهي لا تخلو منها في المستقبل، وهذا يعني أن التاريخ مستمر، وأن الحوادث دائمة الوقوع، وأن «الله» هو الماضي والمستقبل في آن واحد، وأن تاريخ البشرية وحدة متصلة. وكما يحدث الماضي في «الله» كذلك يحدث في المستقبل ويصبح «الله» تاريخ البشرية وسجل تطورها، تقرأ فيه نفسها وتتعرف فيه على ذاتها. تاريخ تصورات الله هو تاريخ تدوين البشرية لذاتها.
وفي حقيقة الأمر أن البقاء من الأضداد، مرتبط بالفناء، ويعرف الضد بالضد كما يعرف الشبيه بالشبيه.
39
وأنها تجربة إنسانية معكوسة، فناء مقلوب. والبقاء أيضا تجربة في الشاهد، وما البقاء كوصف للذات إلا قياسا للغائب على الشاهد.
40
وكما يدل الأول على مرتبة الشرف والكمال فإن الآخر يدل أيضا على العظمة والجلال. فالشيخ الذي يعيش لآخر العمر مهاب، والذي يداوم ويصابر حتى النهاية عظيم. تعبيرات الأزلية والأبدية في الحديث عن صفات الله تعبيرات لا تدل على شيء موجود، ولا تشير إلى واقع فعلي، ولا تصدر حكما على موضوع، بل تعبر عن حالة الشعور وأماني الذات، أي أنها تعبيرات إنشائية أكثر منها خبرية، فلا يكفي الشعور أن يعزو إلى «الله» الصفات الأخلاقية، بل يعززها بصفات الأزلية والأبدية. لذلك رفض الفقهاء استعمال اللفظ كمصطلح في علم أصول الدين أو كاسم من أسماء الله لأنها مجرد تعبيرات لغوية للدلالة بها على انفعالات نفسية وشهادات وجدانية.
41
البقاء تجربة إنسانية، البقاء للفكر بعد الموت، والبقاء للذكريات بعد مغادرة العالم، بقاء الإنسان في شعور الآخرين. والبقاء للمعاني والأفكار، فالحقائق لا تموت، والحقائق الثابتة باقية لا تتغير. البقاء للأفراد والأبطال الذين يخلدون، يعبر عن رغبة في الخلود، وباعث على قهر الموت والفناء. البقاء للأعمال الصالحة التي تتولد في العالم، للأثر الطيب الفعال، للسنة الحسنة التي تبقى في التاريخ بقاء الآثار. وهي المعاني الموجودة في تحليل لفظ البقاء في أصل الوحي. فلا يبقى الباطل ولا الزيف، ولا يبقى إلا الحق والشرع. البقاء للخير والرزق والصلاح والذرية والشعوب التي تقاوم الفساد في الأرض، أكثر مما هو وصف لذات «الله».
42
| سادسا: المخالفة للحوادث
(1) رابع وصف للذات
المخالفة للحوادث رابع وصف للذات يشمل عدة أوصاف أخرى، مثل: «ليس بجوهر، ليس بعرض، ليس بجسم، لا يحل في شيء، لا يتحد بشيء».
1
وهي في معظمها صفات نافية موجهة ضد عقائد العصر التي كانت منتشرة من الديانات المجاورة والتي كانت تمثل حينئذ خطرا على عقيدة التوحيد الجديدة. ويصعب التفرقة بين هذا الوصف الرابع والوصف الخامس، القيام بالنفس والذي يعني عدم وجوده في محل، في جوهر أو عرض أو إنسان أو جماد.