تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

25

والدليل على البقاء أنه لو لم يكن موجودا فيما لا يزال فهو أنه يستحق هذه الصفة لذات، والموصوف بصفة من صفات الذات لا يجوز الخروج عليها، وهذا هو تفسير الذات بالذات، وهو أقرب إلى التفسير بالطباع الذي ترفضه الأشاعرة.

26

وبصرف النظر عن إثبات البقاء كصفة زائدة على الذات أو هي عين الذات، فإن الذي يدل على البقاء عند جمهور المتكلمين هو أن كل واجب الوجود لذاته يستحيل عليه العدم؛ أي أن البقاء متضمن في مفهوم واجب الوجود، وبالتالي يكون تحصيل حاصل. ولو كان قابلا للعدم لاحتاج إلى معدم والمحتاج المفتقر يكون محدثا، وهذا في حقيقة الأمر هو إثبات الشيء عن طريق نفي الضد وهو برهان الخلف، ويظل دليلا سلبيا كما أنه قد ينعدم لذاته بطبيعته دون ما حاجة إلى تشخيص علة فاعلة. ولو انعدم لذاته أو لإعدام معدم أو لطريان ضد أو لزوال شروط وكلها باطلة.

27

والحقيقة أن إبطال الانعدام هو تكرار للحجة السابقة. وهو يكشف عن تشخيص الأفكار بألفاظ الحاجة والعوز والفقر. وقد تكون الأدلة لإثبات استحالة العدم على القديم، أي استحالة الضد وارتباط القدم بالبقاء. فلو عدم فإما أن يعدم لاستحالة بقائه، وهذا محال وإلا بطل القدم، أو أن يعدم لقطع أحداث البقاء فيه، وهو محال لأن «الله» ليس محلا للحوادث أو أن يعدم لطريان ضد عليه، وهو محال لأنه ليس أولى من عدمه في محله.

28

القديم إذن باق، والباقي ليس إلا الموجود، والبقاء لا ينتفي بالضد، فإذا انتفى كان عدم بقائه أولى، والقديم لا ضد له، وأنه لا يوجد معدوم لذاته.

29

واضح من هذه الحجج أن الوجود والقدم والبقاء صفات متلازمة يصدر كل منها من الآخر استنباطا كنسق عقلي محكم، يكشف عن أمور اعتبارية في الذهن أكثر مما يثبت موجودا في الواقع بالفعل. (2) معنى البقاء

يعني البقاء ما لا نهاية له ولا آخر، ويرتبط ارتباطا طبيعيا بالصفة الثانية. فالقديم ما لا أول له والباقي ما لا نهاية له.

30

والعجيب أن يخلط المتكلمون بين النهاية والغاية، فما لا نهاية عندهم يعني أنه ليس بذي غاية، فيتناهى ولا يجوز عليه الفناء، وكأن الغائية تعني التناهي في حين أن الغائية كقصد قد تكون لا متناهية. وعندما تتحقق الغاية قد يحدث التناهي وتقع النهاية، ولكن طالما أن الغاية لم تتحقق بعد فهي متصلة والبقاء مستمر، البقاء يسبق المكونات، ويبقى بعد جميع الفانيات، فهو الوجود المستمر الذي لا ينتهي ولا يتوقف، المستمر إلى ما لا نهاية، لا إلى غاية أو تحقق، الاستمرار المطلق.

31

كما يعرف البقاء بأنه دوام الوجود واستحالة العدم.

32

ولكن المعنى الشائع هو عدم الآخرية للوجود. فكما أن القدم عدم البداية، فإن البقاء عدم النهاية، وكما أن القدم يعني ما لا أول له فالبقاء يعني ما لا آخر له، فهو الأول والآخر، وما لا أول له لا آخر له بالضرورة.

33

ويعني الآخر أن يكون بعد فناء العالم، وأن يكون بعد فناء الدنيا وجميع العوالم الأخرى المستقبلة أو على الأقل بعد سكون الشيء، وأنه الباقي بعد أن يفنى كل شيء بلا تفضيل للعوالم. وهنا تظهر مشكلة فناء النعيم والعذاب وتشخيصهما في الجنة والنار. إن بقيا كما ينص على ذلك أصل الوحي فإنهما يشاركان «الله» في صفة البقاء، وإن فنيا عارض ذلك أصل الشرع. القول ببقائهما ضد تفرد الله بصفاته ومنها البقاء،

34

والقول بفنائهما ضد المنعم الذي يود النعيم الأبدي وفي صالح المعذب الذي سينقذ من العذاب.

35

ويصعب الجمع بين المحلين عن طريق المشاركة في الصفة وعدم المشاركة. أما كيفية الفناء بالقدرة أم بالطبيعة فذاك نقل لموضوع الطبيعيات من العلل المباشرة والعلة الأولى إلى مستوى الإلهيات.

36

وحرصا على التفرد بالبقاء رأى البعض أن الفناء يجوز على الله ذاته كله أو بعضه، فلا يبقى إلا الوجه،

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٤٩