50
وكما يقل التجسيم وينتقل من البدن المعين إلى الجسم، فإنه يقل أيضا درجة، وينتقل ارتفاعا من الجسم إلى الشيء، فالشيء مقولة تحتوي على عمومية أكثر من الجسم، كما أن الجسم مقولة تحتوي على عمومية أكثر من البدن. فإذا كان كل جسم شيئا، فليس كل شيء جسما. كما أن كل بدن جسم وليس كل جسم بدنا بالضرورة. ثم يخف التجسيم درجة ويصبح «الله» أيضا شيئا، ولكنه شيء لا كالأشياء، ولا يشابه الأشياء. فهو ليس شيئا وهو ليس لا شيئا، بين التشبيه والتنزيه، تشبيه لأنه شيء، وتنزيه لأنه لا كالأشياء. وهو مثل القول بأنه جسم لا كالأجسام. وصفة بالشيء لا تعني شيئا لا كالأشياء بصرف النظر عن كون العبارة من حيث بناء اللغة تحصيل حاصل.
وقد أفاض القدماء في الحديث عن الشيء وتفصيل معانيه المختلفة لدرجة الخروج من علم أصول الدين إلى علوم الحكمة الخالصة. فالشيء هو الجسم، أي أنه تحديد العام بالخاص، ورجوع إلى درجة أقوى من التجسيم في حين أن كل جسم شيء وليس كل شيء جسما.
51
والشيء هو الموجود، فلا شيء إلا موجود، وهو تحديد للخاص، وهو الشيء في هذه الحالة، بالموجود وهو العام. وإن شئنا تحديد العام بالعام لأن الشيء عام والموجود عام، ولكنها عمومية خاصة، فكل شيء موجود في حين أن كل موجود ليس شيئا.
52
والشيء هو المثبت، وهو تحديد للخاص، وهو الشيء، بالعام وهو المثبت، فالمثبت أعم بالنسبة للموجود، كما أن الموجود عامة بالنسبة إلى الشيء، والشيء عام بالنسبة إلى الجسم، والجسم عام بالنسبة إلى البدن. فإذا كان كل شيء موجود مثبتا، فإن كل مثبت ليس بالضرورة شيئا موجودا. يمكن أن يكون الشيء مثبتا قبل وجوده؛ لأن الشيء هو فعل الكون، أي مجرد الإثبات أو القرار. الصورة في ذهن الرسام شيء قبل أن يرسم اللوحة بالفعل. يمكن أن يقال إذن إن الشيء هو الممكن قبل أن يصير واقعا.
53
هذه المعاني الثلاثة السابقة تتداخل فيما بينها من حيث العموم والخصوص. ولكن هناك معاني أخرى خارج هذا النطاق، نطاق الكليات الخمس والتحديد المنطقي بالنسبة للعام والخاص، وأقرب إلى تحديد الشيء بالنسبة إلى الآخر وعلى نفس المستوى أفقيا وليس رأسيا كما هو الحال في الكليات الخمس. حينئذ يكون الشيء هو القديم، وهو تحديد للشيء من حيث الزمان، وأنه لا أول له. وهنا يقبل التجسيم درجات عدة، ويشارك في الصفة الثانية وهي القدم.
54
فالباري لم يزل قبل الأشياء وليس قبل الأشياء حتى لا يكون ظرفا. والشيء هو الغير. فلا شيء إلا غير، ولا غير إلا شيء. وهذا التحديد للشيء بالنسبة إلى الآخر واعتبار الشيء هو المتفرد أو الفريد، وهي صفة أخرى للذات الذي يتحدد كل شيء بالنسبة إليها والذي يتغاير هو بالنسبة إلى كل شيء.
55
لا يقال أول الأشياء أو إن الأشياء بعده، ولا يقال إن الله فرد. والشيء هو المعلوم، والمعلوم هو ما أمكن ذكره والإخبار عنه . وهنا يتم تحديد الشيء بالنسبة إلى المعرفة الإنسانية كما تعرف الذات وتكشف هي عن نفسها في الذهن الإنساني. ولا يقال لم يزل الباري ولا يزال دون أن يضاف عالم حتى يكون هناك خبر.
56
ولكن ماذا يعني أن الباري شيء في هذه الحالة إذا كان الشيء يعني الجسم أو الموجود أو المثبت أو القديم أو الغير أو المعلوم؟ يبدو أن الثلاثي الأول أكثر تجريدا من الثاني، وهو الذي استهوى القدماء لتطبيقه على «الله». يعني أن الباري جسم ويكون الباري هنا جسما متعينا. وقد يعني أن الباري موجودا إما بمعنى أنه جسم وهو إلحاق الوجود بأحد معاني الشيء، وهو أن الشيء جسم ويكون الموجود هنا هو الموجود الحسي المتعين،
57
وإما بمعنى أنه الشيء وهو استبدال موضوع بمحمول، فكما أن الشيء هو الموجود يكون الموجود هو الشيء،
58
إما بمعنى أن الموجود هو المحدود المتعين، أي أنه هو المتعين المتحدد، وهي صفة أعم من الشيء تدل على التعين وإن لم يكن محسوسا.