تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقد يكون الوجود بمعنى معلوم، وأن الباري لم يزل واجدا للأشياء بمعنى لم يزل عالما بها، وأن المعلومات لم تزل موجودات بمعنى لم تزل معلومات، ومن ثم كان الدليل على الوجود هو العلم.

39

الله موجود لمعنى به، وأن ذلك المعنى لا موجود ولا معدوم.

40

واتفق باقي أئمة الأشاعرة على أنه من الصفات، والعلم به علم بالذات.

41

الوجود هنا أقرب إلى الحكم العقلي الأول في أحكام العقل الثلاثة. (ب)

والمعنى الثاني للوجود هو المعنى المادي الذي يتراوح بين الجسم والشيء. فالوجود جسم لأن الوجود شيء.

42

فبهذا المعنى لا يكون الباري كائنا مخالفا لسائر الحقائق، فوجوده مثلها.

43

وهنا يضطرب التنزيه ويهتز التصور فيصبح الباري لم يزل ثابت العين بذاته حماية له من الجسمية والشيئية.

44

أو أن يكون شيئا مخالفا لسائر الموجودات لما كان الشيء هو أنه محدود ووجوده مساو لسائر الموجودات.

ولكن هل البارئ شيء؟ إذا كان البارئ شيئا فإن الشيئية تكون أحد أوصاف الذات، سواء ذاتا لنفسه أو شيئا لا كالأشياء. قد يظهر الشيء بعد القدم والوجود والوحدانية على أنه اسم أكثر منه وصفا أو صفة. وقد يظهر الشيء بعد إثبات الوجود كثالث صفة بعد القدم والبقاء.

45

والعجيب أن يثبت الأشاعرة والمسلمون كلهم، وأكثر أهل الصلاة أن «الله» شيء سواء كان شيئا بمعنى جسم أو شيئا لا كالأشياء. ولما كان لا يوجد شيء إلا بمعنى جسم يكون موقف المجسمة أقرب إلى الاتساق مع النفس والمنطق وأقرب إلى الصراحة. أما إثبات شيء لا كالأشياء فهو مجرد تحصيل حاصل، خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف، إقدام وإحجام، شجاعة ثم خوف، إثبات ونفي، تشبيه وتنزيه، وجود وعدم، يلغي كل طرف الطرف الآخر. فليس هناك إنسان لا كالإنسان، وليس هناك ماء لا كالماء، وليس هناك هواء لا كالهواء أو أرض ليست كالأرض أو سماء لست كالسماء. فالعبارة تعبر عن موقف الشعور وحيرته وتردده بين نزوعين، الشاهد والغائب، الحس والعقل، الطبيعة وما بعد الطبيعة. حتى ولو لم يكن النزاع في اللفظ بل في المعنى، اتفاق اللفظ والاختلاف في المعنى، فإن ذلك لا يمنع حين الاستعمال من الوقوع في جدل اللفظ والمعنى واستعمال اللفظ بالمعنى الشائع للشيء وهو الجسم الحسي المرئي نظرا لقوة المعنى العرفي وانتشاره فوق المعنى الاصطلاحي.

46

وإذا كان المقصود أن شيئا تعني موجودا، وكان الاشتراك يقع في لفظ وجوده، فالأولى أن يقع الاشتراك في لفظ شيء. وإن خطورة الحجة النقلية والاعتماد عليها حتى على الرغم من دقة التفسير وإحكام التأويل لن تمنع من العارض العقلي الذي ينفي كون «الله» شيئا.

47

قد يكون «الله» شيئا بالمعنى الأنطولوجي للكلمة، أي الوجود القائم وليس بالجسم، وبمعنى الماهية المجردة،

48

ولكنه مزلق خطر خارج عن نطاق علم أصول الدين الغارق في التشخيص الإنساني والواقع في «الأنثروبولوجيا»، يصعب عليه الخروج منها إلى «الأنطولوجيا». لذلك توقف البعض. فلا يقولون إن الله شيء أو إنه ليس شيئا وهو أقرب إلى التنزيه الوجداني وعدم الدخول في المزالق التصورية.

49

فابتعادا عن التجسيم واقترابا من التنزيه يصبح «الله» ليس شيئا وليس لا شيئا. وبالرغم من أن أمثال هذه العبارات تحصيل حاصل، إلا أنها تحوم إقداما نحو التشبيه ثم إحجاما عنه اقترابا من التنزيه، وكأن الذهن البشري إذا ما أراد الحرص على التنزيه فليس أمامه إلا طريق النفي، وطريق النفي وحده. ولكن نظرا لمخاطر الصورية والفراغ في التنزيه، فإن التجسيم يعود ليفرض نفسه على التصور بالجسمية والشيئية، ويظل الشعور متوترا حائرا بين الصوري والمادي، بين المثال والواقع، بين الحس والعقل دونما استقرار. لقد كانت الحجة في إثبات الباري شيئا هو الخوف من التعطيل، ولكن ألا يوقع ذلك الخوف في التشبيه؟ ولماذا يكون الخوف من التعطيل مقدما على الخوف من التشبيه؟

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٣٨