59
وقد يعني أن الباري مثبت، وقد يكون الثبات بالعين أو بغير العين، والإثبات أحد معاني الشيء، فإثبات الشيء يحدث قبل وجوده.
ومع ذلك فقد أحدث تصور الباري شيئا رد فعل عند دعاة التنزيه المعتزلة والجهمية. ف «الله» عند المعتزلة ليس شيئا وليس لا شيئا، وهو غير الأشياء على عدة معان، منها: أنه غير الأشياء بنفسه وليس لغيرية حتى لا يحدث التباين والتعدد والشرك،
60
أو أنه غير الأشياء لنفسه والأشياء غيره لأنفسها حتى يتم التمايز بين «الله» والأشياء،
61
أو أنه غير الأشياء لغيرية لا لنفسه، فالغيرية صفة للباري لا هي الباري ولا هي غيره، والجواهر متغايرة بغيرية يجوز ارتفاعها فلا تتغير، والأعراض لا تتغاير، وذلك حتى يحدث التمايز بين الله والأشياء بغيرية واضحة، واحدة مضروبة في اثنين، مرة من الله ومرة من الأشياء،
62
أو أن الباري غير الأشياء أي أنه ليس هو كالأشياء وهذا أقرب إلى التنزيه، هو غير الأشياء بنفسه؛ لأنه القبل وليس قبل الأشياء.
63
ويئول المعتزلة الألفاظ التي توحي بالجسمية. فجنب «الله» هو أمره، والصمد هو المقصود إليه في الحوائج.
64
وقد اقترب بعض فقهاء أهل السنة من تنزيه المعتزلة في اعتبارهم «الله» ليس كمثله شيء.
65
بل وعند أصحاب الحديث أن الباري ليس بجسم ولا يشبه الأشياء.
66
بل إن بعض الرافضة وهم الذين عرف عنهم التجسيم والتشبيه قد وصلوا إلى أعلى مراتب التنزيه بتصورهم أن «الله» ليس بجسم ولا بصورة ولا يشبه الأشياء ولا يتحرك ولا يسكن ولا يماس، وقالوا في التوحيد بقول المعتزلة والخوارج.
67
وتجنبا لكل ذلك آثر البعض إمعانا في التنزيه جعل الوجود من أسماء «الله»، أي مجرد لفظ لا معنى ولا شيئا.
68
حتى الباطنية المعروفة بالتشبيه والتجسيم بل والحلول أنكرت أن يقال إن الله موجود أو لا موجود، أو أن الباري ليس بمعدوم إمعانا في التنزيه. والدليل على ذلك أن الباري لو كان موجودا لكان مساويا لسائر الموجودات في الوجود. أما أن يكون مخالفا من وجه دون وجه، فإن خالفها من وجه لزم وقوع التركيب، وكل مركب ممكن الوجود وليس واجب الوجود. إن لم يكن مخالفا لزم أن يكون مساويا في الماهية، والمتساويات في الماهية حكمها حكم واحد. فكما أن الموجودات ليست واجبة فكذلك الباري. وإذا ثبت فساد القسمين ثبت أنه ليس بموجود. ونفس الدليل يثبت أنه ليس معدوما، فثبت أنه لا موجود ولا معدوم. ولا رد على ذلك إلا باعتبار الوجود عين حقيقته، وأن الاشتراك في اللفظ ليس اشتراكا في المسمى البديهي.
69
ولكن يرجع الفضل في النهاية إلى جهم وبعض الزيدية في نفي أن يسمى «الله» شيئا أو أن يطلق عليه لفظ شيء؛ لأن الشيء هو المخلوق الذي له مثل.
70
وبالتالي يكون جهم هو المدافع عن التنزيه في حين وقع الأشاعرة في التشبيه، بل وفي التجسيم بإثباتهم الشيئية «لله» بصرف النظر عن معانيها. وقد كانت كل العبارات المستعملة لإثبات التنزيه عبارات نافية؛ إذ إن النفي أكبر وسيلة للتعبير عن التنزيه. ومن ثم يمكن القول بأن «الله» ليس شيئا، ليس له طول ولا عرض ولا عمق، ليس له مقياس يقاس به، ليس له مادة أو موضوع في العالم الخارجي. بل إن اسم الفعل «الألوهية» لا يشخص ولا يعرف كما، فعل من أفعال الشعور الخالص، وموضوع من موضوعات الذهن. ويخف التجسيم على الإطلاق ويقترب نهائيا من التنزيه عندما يصبح الله ليس شيئا، وينتقل الشعور من الرغبة في الإطباق على الشيء والتشبث به إلى الاستنكاف من الشيء والبعد عنه إحساسا منه بالطهارة. وتبدأ الثنائية الفلسفية بين المادة والصورة، المحدث والقديم، الكثير والواحد، المتحرك والثابت، وهي الثنائية المتعارضة التي تعطي الطرف الأول كل ما تسلبه من الطرف الثاني. فإذا كان الشيء مادة ف «الله» ليس مادة، وإذا كان الشيء مرئيا ف «الله» ليس بمرئي، وإذا كان الشيء محدودا متعينا جسما، فهي كلها مظاهر نقص، «الله» خال منها. (ج)