26
ويمكن التوسع في الصفات وضم الحياة والإرادة، ولكن ذلك يتطلب دليلا أنطولوجيا يسمح بالانتقال من العلم والقدرة والحياة والإرادة إلى الوجود الفعلي دون أن يكون ذلك متعلقا بالإنسان وتشخيصا منه وقياسا للغائب على الشاهد، وبالتالي إثبات وجود الإنسان دون غيره. وهو أقرب إلى التمرينات العقلية التي يعيش فيها العقل على نفسه بعد أن يختفي موضوعه ويتبخر. وهناك بعض الأدلة الخطابية الأخرى القائمة على سؤال: هل هناك بناء من غير بان؟ وإذا كان الرد بالإيجاب عن طريق التوليد والكمون والظهور أمكن الإجابة بالنفي وبالتالي لا يثبت أي وجود صانع مغاير للشيء.
27 (2) ماهية الوجود
هل الوجود وصف للذات أم أنه معنى تؤدي إليه أحكام العقل؟ هل هو وصف للذات أم صفة لها؟ قد يدخل الوجود في مبحث الذات ليس كصفة بل كذات.
28
للوجود ماهيتان: الأولى أنها نفس الذات وليست صفة خارجة عنها، وليست بمثابة التحيز للجوهر لأن التحيز صفة زائدة على الجوهر. وعلى هذا النحو يكون واجبا لذاته ممتنعا عدمه بالنظر إلى ذاته.
29
لذلك يظهر الوجود على أنه من الصفات النفسية بل أولها.
30
الوجود هو القائم بالنفس أو لا يكون. فإن لم يكن قائما بماهيته فنفس الوجود جوهر قائم. الوجود عين الوجود، وبالتالي يكون وجود الله عين ذاته غير زائد عليه كما أن وجود الحادث عين ذاته. فالوجود ليس صفة لأنه عين الذات والصفة غير الذات. الوجود عين الذات وبالتالي تكون موجودة في الخارج دون ما حاجة إلى إثبات وبالتالي تنتفي الحاجة إلى أي دليل أنطولوجي.
31
وعيوب هذا التصور أن «الله» فيه كائن ثابت مشخص وليس حياة أو تجربة أو حركة.
32
والوجود بهذا المعنى المجرد وصفا أو صفة، ماهية أو وجودا عاما ليس الوجود كتجربة حقة بلحم وعظم ودم، بنفس وحرارة وحياة. وإن إثبات الذات أو النفس دون نفي الضد يدل على أن الإثبات هو الأساس وأن النفي مجرد تمرين عقلي زيادة في التنزيه، في حين أن النفي هو الأساس، نفي مظاهر النقص حتى تثبت صفات الكمال.
33
والثانية أنها ما يستحيل عليها العدم، إذ لا يحد الوجود إلا بالإشارة إلى المعدوم. والمعدوم ليس هو المنتفي؛ لأن المنتفي ما ليس بكائن ولا ثابت في حين أن المعدوم وجد مرة ثم عدم، أي أن العدم في أصله كان وجودا وليس نفيا أو انتفاء.
34
فالأولى أن يكون المعدوم هو المعلوم الذي ليس بموجود أي افتراض الوجود وإحالة العدم، ومن ثم يبرز الفرق بين مستوى المعرفة ومستوى الوجود، فلا يمكن أن يكون العدم موجودا (أنطولوجيا). وسواء كان العدم وجودا منفيا أم وجودا معدوما، فإن ما يجب له الوجود يستحيل عليه العدم، والنفي والإثبات يتمان لا في زمان.
35
الوجود إذن وصف سلبي أي أنه ما لا يجوز عليه العدم.
36
صانع العالم موجود؛ لأنه لو لم يكن موجودا لكان معدوما، والمعدوم نفي محض لا يصلح للإلهية دون أن تكون هناك واسطة بين الموجود والمعدوم.
37
ويقوم هذا التصور على إثبات الدعوى بإبطال نقيضها. وهو نقص في منطق الاستدلال، إذ إن الدليل هو المثبت. كما أنه يعتبر العدم نفيا محضا دون واسطة حال، مما يسبب في النفس الغثيان، وفي الوجود العدمية. وإذا كان الوجود والعدم ضدان وكان البارئ موجودا، فإنه يصبح من جنس الموجودات. وما كان من جنس الموجودات يمتنع أن يكون من جنس المعدومات. ولو كان موجودا لكان له من جنس الموجودات ند، ومن المعدومات التي ليست من جنسه ضد. والباري منزه عن الند والضد. ونفس الدليل إذا كان معدوما وبالتالي يثبت أن الباري لا موجودا ولا معدوما. فإن قيل: إن العدم نفي محض، ويمتنع أن يكون ضد الشيء، كان الرد بأن عدم الاشتراك في الاسم نظرا لا ينفي وقوعه عملا.
38 (3) معنى الوجود
تتراوح معاني الوجود عند القدماء بين الصورية والمادية والنفسية، أي بين أن يكون الوجود معنى وأن يكون شيئا وأن يكون حالا: (أ)