8
ثم يذكر وصف الوجود على أنه أول وصف للمحدث قبل القدم والواحد والأحد والباقي.
9
ويظهر على أنه أول وصف في إقرار التوحيد قبل الواحد وليس كمثله شيء.
10
وقد يظهر الوجود على أنه أول وصف للذات في
قل هو الله أحد ، فالأحد إشارة إلى الوجود.
11
وفي المقدمات والتسبيحات والتحميدات يظهر واجب الوجود على أنه أول تعبير إنشائي.
12
ويظهر الوجود كأول وصف للذات، وذلك في دلائل إثبات كونه واجب الوجود وإثبات كونه موجودا.
13
فالوجود هو وحده الصفة التي تدخل تحت الذات، وباقي الأوصاف والصفات تدخل تحت الصفات. وقد يضم الوجود الصفتين التاليتين مثل القدم والبقاء وكأنهما نتيجتان طبيعيتان للوجود، فالوجود هو البقاء الذي سبق المكونات ويبقى بعد جميع الفانيات، والتوحيد هو الإقرار بأنه ثابت الوجود. وموجود تعني أنه باق أي دوام الوجود.
14
وإلى وقت متأخر يتداخل وصف الوجود مع باقي الأوصاف والصفات ولا يكون بالضرورة أول أوصاف الذات. فأحيانا تظهر النفس بعد القدم والوجود والوحدانية والشيئية على أنها مرادفة للذات والوجود ورفضها من حيث هي جسم مركب قابل للعرض.
15
كما تثبت صفة الوجود في باب الصفات بعد أن تثبت المخالفة للحوادث والقيام بالنفس والوحدانية في باب التوحيد، وتستعمل الصفات كدليل لإثبات الوجود.
16
ثم يرتبط موضوع الوجود منذ القرن السادس بالماهية بعد توغل علوم الحكمة في علم التوحيد، فيبدو الوجود متصلا بالماهية كثامن وآخر وصف بعد نفي الجسمية والجوهر والمكان والاتحاد والمكان والحلول والقيام بالحوادث واللذة والألم، ونفي مشاركة الذات لغيرها.
17
فالوجود متصل بنفي المشاركة. وتنفى الماهية خوفا من المجانسة بعد إثبات الوحدانية والقدم وظهور الصفات السبع ونفي العرض والجسم والجوهر والصور والحد والعد والتبعيض والتجزيء والتركيب والتناهي.
18
وتبدو التنزيهات في أول بحث في نفي أن حقيقته تماثل غيره ونفي الاشتراك في الذات أو في الوجود.
19
وقد يذكر الوجود بعد القدم على أنه يجوز وصف الذات به، ويكون الوجود حالة من حالات القدم ومتضمنا فيه.
20
وقد يذكر الوجود كثالث صفة بعد القدم والبقاء مرة ضد الباطنية وقولهم لا موجود ولا معدوم ومرة ضد الحكماء في التوحيد بين الوجود والماهية.
21
فإذا كان الوجود قد دخل في البداية في أدلة إثبات الصانع خاصة دليل الحدوث فإنه في العقائد المتأخرة وبعد استقرار البناء النظري للعلم يظهر كأول وصف فيما يجب «لله» من عشرين صفة، ستا للذات، وسبعا للمعاني، وسبعا معنوية، ثم يظهر عكس الصفة وهو العدم في العشرين صفة التالية فيما يستحيل على «الله». ثم بعد ذلك في النهاية يظهر في تفسير معنى «لا إله إلا الله» على أنه المستغني عن كل ما سواه كأول وصف يدل على الاستغناء.
22
وقد يذكر الوجود كواجب الوجود في أول وصف فيما يجب «لله» يتلوه صفات المعاني السبع، ويذكر في أول إحصاء لأوصاف الذات في عشرة على أنه أول صفة. وحتى عندما تأتي الذات بعد الصفات يظهر الوجود كأول صفة.
23
وقد يذكر الوجود في أول موضوع للتوحيد دون فصل بين ذات وصفات، بل كحامل لنفي التشبيه والحيز والجهة.
24
ويحاول القدماء إيجاد أدلة لإثبات الوجود، فقد يثبت الوجود بدليل عن طريق القسمة بعد التسليم بأصل الوجود من دليل الحدوث. فكل موجود إما متحيز أو غير متحيز. وإن كل متحيز إن لم يكن فيه ائتلاف فهو جوهر فرد، وإن كان فيه فهو جسم، وغير المتحيز إما يستدعي جسما يقوم به وهي الأعراض أو لا يستدعي وهو «الله»!
25
وهو دليل يقوم على افتراض سابق وهو أن الوجود قد يكون غير متحيز وهو المطلوب إثباته. كما أن إثبات وجود غير متحيز لا يعني بالضرورة إثبات «الله»، بل يعني إثبات هذا الوجود غير المتحيز أي الوجود من حيث هو وجود دون تشخيص له في ذات. والقسمة ليست دليلا ولا برهانا بل مجرد تصنيف طبقا للأعلى والأدنى وهي التصور الديني للعلاقة بين المستويات. كما أنه لا ينزه «الله». وهل مكانة «الله» مساوية بالأجسام ما دام كلاهما جوهرا؟ ولا يمكن أن يكون الدليل على الوجود العلم والقدرة، فالعلم والقدرة مظهران للوجود تاليان عليه وليسا مقدمتين له: الوجود لا يستنبط من العلم والقدرة، بل العلم والقدرة يستنبطان من الوجود. إلا إذا كان المقصود أن وجودا بلا علم ولا قدرة ليس وجودا، وفي هذه الحالة يكون الوجود هو وجود العلم والقدرة. وقد يشجع ذلك الناس على العلم والقدرة دون الجهل والعجز، إذ إن الوجود الجاهل العاجز ليس وجودا.