تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

53

يكون ذاته فيكون واقعا، ويتحول إلى غيره فيصير مثالا. وكان الفقهاء قد اعترضوا من قبل على استعمال لفظ «الصفة» للتعبير به عن محاولة وصف «الله» والتعرف عليه.

54

وبصرف النظر عن كون الرواية خبر آحاد أم لا والاعتماد على الأدلة النقلية أو الإجماع فإن استعمال الصفة لا بد وأن يوقع لا محالة في الشركة، وفي إطلاق صفات الإنسان من علم وقدرة وحياة وسمع وبصر وكلام وإرادة على «الله». لفظ الصفة لا يشير إلا إلى عرض في جوهر، أي إلى صفات حسية لأجسام، فكيف يطلق ذلك على «الله»؟ بل إن اللفظ لم يرد في أصل الوحي إلا كفعل، ومرة واحدة كاسم «وصف»، وكلها بمعاني سلبية. الوصف قد يكون كذبا، فكيف يوصف «الله»؟

55

ومع ذلك، الصفات عند القدماء أول أصل التوحيد.

56

وعلى هذا النحو يكون لدينا وصف للذات باعتبارها وعيا خالصا، ثم وصف للصفات باعتبارها مكونات للوعي الخالص في الشخصية الإنسانية أو في الإنسان الكامل. «الوعي الخالص» وصف الذات في نفسها، علاقتها بذاتها، الذات من حيث هي ذات. ولها أوصاف ستة: الوجود، القدم، البقاء، المخالفة للحوادث، القيام بالنفس، الوحدانية. و«الإنسان الكامل» يتضمن صفات الذات في علاقاتها بالغير، في تخارجها وفعلها ونشاطها. وهي الصفات السبع: العلم، القدرة، الحياة، السمع، البصر، الكلام، الإرادة. إذا كانت الذات هي الوعي الخالص الشامل وهو الذي يتم وصفه بطريق التنزيه، أي نفي المشابهة عنه فإن الصفات تكون صور تعبير الذات عن نفسها وتخارجها إلى العالم. علاقة الذات بالصفات إذن علاقة المركز بالمحيط، علاقة الخيط بحبات العقد طبقا للتصور الإنساني الشائع عن ضرورة الحامل للمحمول، والموصوف للصفة، والموضوع للمحمول، والفاعل للفعل، والمبتدأ للخبر. وفي هذه الحالة تسمى الذات أيضا ماهية وتسمى الصفة وجودا. إذا كانت الماهية يصعب معرفتها إلا عن طريق التقريب والمشاركة، فإن الوجود يمكن التحقق منه ببداهات الحس وشهادات الوجدان.

57

| ثالثا: الوجود

(1) الوجود أول وصف للذات

الوجود هو أول وصف للذات. يظهر أولا متداخلا مع دليل الحدوث، إذ إن غاية الدليل هو إثبات واجب الوجود. وقد لا تدخل صفة الوجود أو واجب الوجود ضمن أوصاف الذات، بل تكون ختاما لدليل الحدوث.

1

وفي كلتا الحالتين يكون الانتقال من دليل الحدوث إلى الوجود انتقالا طبيعيا باستثناء الاعتراض المشهور وهو كيفية الانتقال من عالم الأذهان إلى عالم الأعيان، ومن دليل إثبات الوجود إلى إثبات الوجود بالفعل. في هذه الحالة لا يظهر الوجود كوصف مستقل، ويكتفى بأن الحوادث لا بد لها من محدث وأن صانع الحوادث أحدثها من لا شيء. ويتداخل الوجود مع أبطال الدور والتسلسل كأول بحث في ذات «الله».

2

لذلك تسمى صفة الوجود أحيانا واجب الوجود كما هو الحال في العقائد المتأخرة إلا في بعض الحركات الإصلاحية الحديثة حين يكتفى بإثبات واجب الوجود.

3

وتتداخل صفة واجب الوجود وأحيانا بكليهما.

4

وفي العقائد المتأخرة يدخل الوجود ضمن دليلي الحدوث والإمكان معا مع أنه قد لا تكون هناك حاجة إلى إثبات وصف الوجود بعد إثبات الأدلة على وجود الصانع.

5

ينبثق وصف الوجود إذن من الطبيعة. والحقيقة أنه لا يوجد مبحث مستقل للطبيعة. فالطبيعيات تظهر في دليل الحدوث القائم على إثبات الأعراض وحدوثها، والتفرقة بين الجوهر والعرض، وإثبات موجود قديم لا أول له. فالطبيعة هو إثبات أول صفة للذات وهو الوجود.

6

ولا يظهر الوجود كأول وصف للذات إلا بعد اكتمال بناء علم أصول الدين. ففي البداية يكرر وصف الوجود والمخالفة للحوادث لسائر الموجودات، وكأنه شرح وتعبير أكثر منه عدا لصفة.

7

وفي المؤلفات المتقدمة يظهر دليل الحدوث على أنه أول موضوعات التوحيد دون ذكر وصف الوجود.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٣٥