29
ويكون النفي أساس الإثبات، ليس فقط على مستوى الألفاظ والقضايا، أي على مستوى اللغة والخطاب، ولكن أيضا كموقف إنساني وكتجربة بشرية تعبر عن وضع الإنسان في العالم ووعيه به وفعله فيه نجاحا أم فشلا، وفي حقيقة الأمر أن هذه الصفات كلها بأنواعها الوجودية والثبوتية والسلبية النافية كلها تقريبية، محاولات للذهن الإنساني أن يصف ما لا يمكن العلم به وهو الذات، بل إن بعض الصفات السلبية تكشف الجانب الإنساني الإرادي الحسي الخالص، مثل استحالة اللذة والألم والطعوم والروائح. كل هذه الأوصاف من الأمور الاعتبارية التي لا وجود لها في الخارج.
30
تعبر عن مواقف في اللغة، كما أنها تكشف عن وضع نفسي اجتماعي للوعي بالذات وبالعالم يقوم على التعظيم والتبجيل للحق الضائع وللإمام الغائب. (4) إحصاء الصفات
وتطلق الصفات أحيانا بالتغليب على الصفات والأوصاف معا، ولم يستقر إحصاء الأوصاف والصفات في ست إلا في مرحلة اكتمال بناء العلم في القرنين السابع والثامن، بل واستمر الخلاف في العد والإحصاء حتى العقائد المتأخرة التي انتظمت في أحكام العقل الثلاثة. فمع قسمة الصفات إلى نفسية ومعنوية، الأولى للذات والثانية للصفات لم يظهر إحصاء تام للأولى، ولكن يذكر الوجود باستحالة العدم، والقدم، والقيام بالنفس، والمخالفة للحوادث (ويدخل فيها ما يستحيل اتصاف الله به: في أنه ليس جسما، وعدم قبول الأعراض، واستحالة كونه جوهرا)، والوحدانية، وهي خمس صفات. أما البقاء وهي الصفة السادسة كما ظهرت عند المتأخرين فتدخل ضمن الصفات المعنوية.
31
وقد تظهر الصفات السلبية بلا عدد أو إحصاء ست صفات: نفي التحيز، والحلول، والجهة، وقيام الحوادث، واستحالة اللذة والألم، واستحالة الطعوم والروائح. وتأتي صفة البقاء بعد الصفات الثبوتية، وتأتي صفة الرؤية في نهاية المطاف وبعدها صفة الواحدية فيكون المجموع ثماني صفات.
32
ولم يبدأ الإحصاء إلا منذ القرن الخامس فتظهر الصفات على أنها عشرة، خمس إيجابية: الوجود، والقدم، والبقاء، والرؤية، والوحدانية، وخمس سلبية: ليس بجوهر، ليس بجسم، ليس بعرض، ليس له جهة مخصوصة، منزه عن العرش، ودون فصل نظري بين الإيجاب والسلب. وقد أبقى فيما بعد على الصفات الثلاث الأولى، الوجود والقدم والبقاء، وضمت الصفات الثلاث التالية: ليس بجوهر، وليس بجسم، وليس بعرض في صفة رابعة واحدة هي المخالفة للحوادث. كما ضمت الصفتان: ليس له جهة ومنزه عن الاستقرار على العرش في صفة واحدة خامسة، القيام بالنفس. وأبقى على الصفة السادسة، الوحدانية، بعد إدخال الرؤية في الجواز.
33
ويستمر الوضع كذلك في القرنين السادس والسابع فتجعل أوصاف الذات في التنزيهات في خمسة أوصاف: نفي المماثلة والجسمية مع الجهة والاتحاد مع الحلول والقيام بالحوادث والأعراض المحسوسة. ثم يظهر التوحيد في صفة مستقلة لأهميتها. ثم يظهر البقاء كوصف مختلف عليه، ويوضع مع صفات التشبيه كالسمع والبصر والكلام وغيرها مثل الاستواء واليد والوجه والعين، ثم تذكر الرؤية في هذا النطاق.
34
وفي القرن الثامن حيث يكتمل العلم تم قسمة الصفات إلى سلبية ووجودية. يدخل الوجود ضمن دليل الحدوث والإمكان، وتوضع صفتا القدم والبقاء مع الصفات المتنازع عليها كصفات التشبيه والاستواء واليد ... إلخ. وتذكر مقدمتان للذات عن مخالفتها لسائر الذوات وعن صلة الوجود بالماهية، ثم يأتي التنزيه في سبعة أوصاف: نفي الجهة والمكان ونفي الجسم، ونفي الجوهر والعرض، ونفي الزمان، ونفي الاتحاد للذات والحلول للصفات، ونفي الحدوث عن الذات، ونفي الأعراض المحسوسة. ثم تأتي صفة الوحدانية منفردة في باب مستقل. وبعد الصفات السبع التي تسمى وجودية تأتي الرؤية في موضوع آخر وبعدها العلم بحقيقة الله في الجواز.