35
وأخيرا ينتظم الوصف كله تصنيفا وإحصاء وعدا عندما تظهر أحكام العقل الثلاثة: الوجوب، والاستحالة، والإمكان، وبتعبير آخر الضرورة والامتناع والجواز. فكل الأوصاف المستحيلة مثل التجسيم والتشبيه والتعطيل تدخل في حكم الاستحالة، وكل الصفات مثل العلم والقدرة والحياة ... إلخ تدخل في حكم الوجوب. وكل الصفات مثل الرؤية والماهية تدخل في حكم الإمكان. وظل الأمر كذلك حتى العصر الحاضر.
36
فالواجب «لله» عشرون صفة. أوصاف الذات الست، هي: الوجود، القدم، البقاء، المخالفة للحوادث، القيام بالنفس، الوحدانية. وأوصاف الذات السبع مرة اسم فاعل (عالم، قادر، حي، سميع، بصير، متكلم، مريد)، ومرة كاسم فعل (علم، قدرة، حياة، سمع، بصر، كلام، إرادة). فهي سبعة مضروبة في اثنين (عالم يعلم، قادر بقدرة، حي بحياة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة).
37
وقد يكون الواجب «لله» ثلاث عشرة صفة، ستة أوصاف للذات وأضدادها وصفة الجواز، جواز الفعل والترك.
38
وقد تنقسم الواجبات العشرون إلى أربعة أنواع من الصفات: نفسية لأنها تدل على نفس الذات، وسلبية لأن كل واحدة دلت على سلب لا يليق بأمر «الله»، ومعان لأن كل واحدة لها معنى، وهو وجه قائم بذات الله، ومعنوية لأنها فرع من المعاني. الصفة النفسية واحدة وهي الوجود، والسلبية خمس: القدم، والبقاء، والمخالفة للحوادث، والقيام بالنفس، والوحدانية. والمعاني سبع: القدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام. والمعنوية سبع: كونه قادرا، مريدا، عالما، حيا، سميعا، بصيرا، متكلما.
39
والمستحيل في «الله» عشرون صفة، هي أضداد صفات الوجوب بالرغم من وجود بعض أوصاف الذات سلبا من قبل مثل المخالفة للحوادث. ست منها لأوصاف الذات ، وهي: استحالة العدم، والحدوث، والفناء، والمشابهة للحوادث، والقيام في محل، والشرك والتعدد. وسبع منها للصفات كاسم فاعل، وهي استحالة أن يكون جاهلا، عاجزا، ميتا، أصم، أعمى، أبكم، مغرضا. وسبع منها للصفات كأسماء، وهي: استحالة الجهل، والعجز، والموت، والصمم، والعمى، والبكم، والهوى. فهي أيضا سبعة مضروبة في اثنين، فيستحيل أن يكون جاهلا بجهل، عاجزا بعجز، ميتا بموت، أصم بصمم، أعمى بعمى، أبكم ببكم، مغرضا بهوى.
40
والجواز «لله» أمر واحد هي الرؤية. ولما كان الجواز يعني الوجوب أو الاستحالة، فليس له ضد، ولا ينقسم إلى اسم فاعل وإلى اسم فعل.
41
وقد يأتي موضوع العدل مع الرؤية في الجواز.
42
ولكن في العقائد المتأخرة تسقط الرؤية ويوضع بدلها جواز الفعل والترك، وهو موضوع العدل أو ما تبقى من نظرية الأفعال، ولا تظهر إلا كمشكلة من مشاكل التوحيد الأربع أو كجزاء لأصحاب العقيدة.
43
ومع الجواز تظهر صفة العرش مع الأخرويات، لا لاحتياجها، بل للإيمان بها.
44
وقد طبقت أحكام العقل الثلاثة في العقائد المتأخرة، ليس فقط على قطبها الأول، وهو «الله»، بل أيضا على قطبها الثاني، وهو الرسول. فوجبت له أربع صفات، واستحالت عليه أربع صفات، وجازت له صفة واحدة. وبالتالي يكون على المسلم أن يؤمن بخمسين عقيدة، واحدا وأربعين في الله، وتسعا في الرسول.
45
وقد ينشأ الخلاف في العقائد حول الرسول، وتقل من تسع إلى سبع، ويكون المجموع ثمانيا وأربعين عقيدة تستنبط كلها من «لا إله إلا الله محمد رسول الله.» إذ تعني الألوهية استغناء الله عن كل ما سواه، وافتقار كل ما عداه إليه.
46
وقد يغيب البناء بعد ذلك وتنقطع مسائل التوحيد في مشكلات مثل الوجود بلا مكان والرؤية بلا جهة، والكلام بلا حرف وصوت وكأن الأمر موضع دهشة وعجب أو عجز وضعف، خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف، إقدام نحو العالم، ثم إحجام عنه.
47
وتنتهي صفات الذات كنظرية عقلية وتتحول إلى واجب يؤمن به أو عقيدة، ويفقد الوحي طابع النظرية الخالص، وتستسلم نظرية العلم الأولى.