تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويصعب أيضا إيجاد علاقة متوازنة بين الأوصاف والصفات. فأحيانا تكون الصدارة للأوصاف على الصفات فتكون الأوصاف هي الغالبة، وأحيانا أخرى تكون الصدارة للصفات على الأوصاف فتكون الصفات هي الغالبة. ففي صدارة الأوصاف على الصفات تبدو الأوصاف أهم من الصفات بكثير، خاصة في مضادات الأوصاف من تشبيه وتجسيم وثنوية، وكأن الصفات مشكلة تالية للأوصاف وذلك لنقص النظريات المعارضة فيها.

14

ولأول مرة تذكر أوصاف الذات في معرض نفي التأليه والتجسيم والتشبيه دون ذكر براهين إيجابية عليها إلا من نهايات دليل الحدوث في أن الحوادث لا بد لها من محدث أو أن صانع الحوادث أحدثها من لا شيء وذلك في باب «معرفة الصانع ومعرفة نعوته الذاتية». فسميت أوصاف الذات النعوت الذاتية في مقابل الصفات المعنوية السبعة وهي الصفات القائمة بالإله. وتظهر أو صفات الذات بلا إحصاء أو ترتيب (القدم، الوجود، القيام بالنفس، الوحدانية، المخالفة للحوادث). لا يوجد عدد محدد لأوصاف الذات، ولكنها تتداخل مع صفاتها. فالبقاء مثلا يدخل مع الصفات المعنوية مع بقاء الصفات، ويشك في صفة القدم.

15

وقد يتركز الموضوع كله في تنزيه الله عن الجسمية بعد مقدمات ثلاث لإثبات الوجود ونفي الجسمية عنه، ويدخل فيها نفي الحيز والجهة، وفي تأويل المتشابهات لنفي الجسمية. وفي تقرير مذهب السلف أيضا تنفى الجسمية والتشبيه، ويدخل في ذلك نفي اليد والعين ... إلخ. أو الانفعالات كالفرح والحياء ... إلخ. ولا تظهر من أوصاف الذات إلا النفس على معنى التشبيه.

16

وفي معرض النظريات والتصورات المخالفة تظهر أوصاف الذات بطريق الضد. فبنفي التشبيه يذكر استحالة كونه جسما، وتقدسه عن الجهات والمحاذيات، واستحالة كونه عرضا، واستحالة كونه جوهرا، وتأويل آيات التشبيه والتجسيم، وإثبات الواحد، وإثبات القديم مع القدرة والعلم والحياة.

17

ويزداد ذكر أوصاف الذات في المؤلفات المتأخرة بعد القرن الخامس، وكأن مشكلة الصفات هي التي عمت التوحيد في القرون الأولى ردا للتشبيه والتجسيم، فلما انتصر التنزيه ظهرت أوصاف الذات. وقد تذكر أوصاف الذات، القدم، بعد تقسيم العالم إلى محدث وقديم ثم الوجود ثم الواحد، وأنه شيء، وأنه نفس، وأن له يدا وأصابع وساقا، ولا يجوز وصفه بالمجيء أو النزول. ويذكر الاستواء ونفي المكان وإثبات الرؤية، ويذكر كل ذلك دون بناء نظري أو تصوري.

18

وفي بعض الموسوعات المتأخرة لا تظهر مسألة الصفات على الإطلاق في حين تظهر الأوصاف. ولا تظهر إلا بعض المسائل النظرية من مقدمات الصفات كالصفة والموصوف والعلة والمعلول والوحدة والكثرة مما يوحي بأننا ما زلنا بصدد الأمور الاعتبارية، في عالم الأذهان، ولم نخرج بعد إلى عالم الأعيان.

19

وقد لا تظهر الصفات إلا مرة واحدة عرضا في نطاق ذكر صفات التشبيه إلا القرآن.

20

وفي صدارة الصفات على الأوصاف تذكر صفات الذات قبل أوصافها، مما يدل على تراجع أهمية الأوصاف وتصدر الصفات. وتغلب صفة الوحدانية على غيرها في باب مستقل، وتكون أول الأوصاف. ثم يأتي إبطال التشبيه تحت أحكام العقل الثلاثة، وفي إبطال التشبيه تدخل المخالفة للحوادث.

21

وعندما تتصدر مباحث التوحيد أدلة إثبات الصانع تأتي صفة الوحدانية وأدلتها ثم تأتي الصفات السبع دون إحصاء كذلك. تتصدر الصفات على الأوصاف، وتأتي الأوصاف بطريق إنشائي تعبر عن الكمال دون بناء نظري أو تصور محكم مثل الكمال وتنزهه عن النقص، وعدم كونه جسما وجوهرا وعرضا وفي مكان وفي جهة، وعدم اتصافه بالكيفيات المحسوسة، وتنزهه عن الاتحاد والحلول، وتنزهه عن الزمان وعن الحدوث وعن الأولية والآخرية. ويذكر البقاء والقدم من الصفات المختلف فيها مع التكوين وتنتهي بالرؤية. وعلى هذا النحو سارت الدراسات الثانوية للمعاصرين، فجاءت أوصاف الذات بعد صفاتها، وغلب عليها التقسيم حسب الفرق أو الأشخاص وليس حسب الموضوعات.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٣٠