تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويميز القدماء بين الوصف والصفة. فالوصف للذات والصفة لآثارها ومتعلقاتها، الوصف لا لمعنى في حين أن الصفة لمعنى، الوصف للوجود والصفة نفي أو إثبات. الوصف للنفس والصفة للمعنى، ومع ذلك يصعب التمييز بين أوصاف الذات وصفاتها. بعض الأوصاف تدخل في الصفات، وبعض الصفات تدخل في الأوصاف، فيتداخلان معا مثل تداخل دليل الوجود (وصف الوجود) وانتفاء الجسمية (وصف القيام بالنفس) مع الصفات المعنوية السبعة.

4

وقد تتداخل بعض أوصاف الذات في مضمون الإيمان مع صفاتها (الواحد، الموجود، الأول، القديم) دون فصل بين أوصاف الذات وصفاتها، والتعرض لمسائل المشابهة والمماثلة والجهة دون التعبير عنها بمقولاتها الخاصة وهي المخالفة للحوادث والقيام بالنفس، بل الاكتفاء بالحديث عن الاستواء وسائر الصفات الحسية المتنازع عليها.

5

وقد تذكر أوصاف الذات مختلطة بالصفات دون وعي تصوري بالتمييز بينها (قديم، موجود، واحد، شيء، نفس)، ورفض التشبيه: (النور، اليد، الساق، الأصبع، المجيء، الذهاب، النزول، الجسم، الاستواء على العرش، المكان، الرؤية)، وعدم استقرار إحصاء الصفات بعد، وإدخال المتفق عليها (ست أوصاف للذات وسبع لصفاتها) مع المتنازع عليها.

6

وقد تدخل أوصاف الذات كجزء من إعلان النوايا والتعبير عن بناء الشعور الإيماني، وكأنها جزء من العقائد دون أية قسمة نظرية إلى أوصاف وصفات ودون أي بناء نظري للذات. وتعتمد هذه العواطف الإيمانية على الشواهد النقلية والآيات القرآنية.

7

وفي شرح أصل التوحيد، تذكر بعض أوصاف الذات دون ذكر لها مثل الوحدانية، والتنزيه، وإنكار الرؤية، والقدم، ودون إحصاء لها أو للصفات دون بناء عقلي محكم حتى عند النزعات العقلية.

8

وقد لا تذكر المسألة كلية، مسألة الذات والصفات ولكن تذكر النظريات العامة مثل التوحيد، ويذكر فيه وصف الواحد، وإبطال التشبيه، ورفض جميع صوره كإثبات الصور والجهة وجعل «الله» محلا للحوادث، والحديث عن الجهة والقيام بالنفس والدخول والخروج.

9

وقد تأتي الأوصاف والصفات في صيغة مسائل، فتظهر أوصاف الذات دون تمييز بينها وبين الصفات. وتظهر دون إحصاء (اثني عشر)، ولا يراعى الترتيب. فيأتي الوجود بعد القدم والبقاء. وتضاف أوصاف مثل إضافة الشيء إلى الوجود، ويفصل بين الحلول والاتحاد، الأول ضد النصارى والثاني ضد الصوفية. ويعاد القدم للذات وللصفات (ضد الكرامية). ثم تظهر نفس الصفات الحسية (الألوان والروائح والطعوم) والانفعالية (اللذة والألم) مما يكشف عن عنصر التشبيه الوجداني.

10

ويتم المزج بين أوصاف الذات وصفاتها عند المتقدمين والمتأخرين على حد سواء.

11

ففي مصنفات العقائد المتأخرة يخلط بين أوصاف الذات وصفاتها، ولا يتم حصرها أو إحصاؤها، ومع ذلك يمكن التمييز بينها. فتتداخل أوصاف الواحد والقديم مع الصفات المعنوية السبع على أنها صفات أفعال، ثم تتلوها صفات السلوب دون إحصاء أو عد مع أنها تبلغ الأربع عشرة صفة، تتلوها الصفات السبع من جديد، ثم يأتي جواز الرؤية في النهاية.

12

وقد تذكر الصفات بلا إحصاء أو تقنين، وأهمها القدم والوجود والكمال، تتخللها الصفات المعنوية السبعة، ثم تأتي أوصاف السلب وتنزيه الذات من النقائص كالشبه والمثل والشريك والظهير والحلول والحدوث والاتحاد والجوهر والعرض والجسم الحيز والجهة والحركة والانتقال. وتنتفي عنه أيضا مضادات الصفات المعنوية السبعة كالجهل والكذب، ثم تأتي الرؤية في النهاية. وبعد الأفعال تظهر أوصاف الذات من جديد على أنها واحدة. فالذات غير متبعض ولا متجزأ، ولا حد له، ولا نهاية له من أجل التركيز على وحدة الذات مع أوصافها وصفاتها.

13

كل ذلك يدل على أمرين: الأول أن التمايز بين الأوصاف والصفات إنما نشأ متأخرا. أما في البداية فقد كانت كلها محاولات لوصف الذات . ثانيا: أن التمييز بين أنواعها وتصنيفها ثم عدها وإحصاءها لم يستقر إلا متأخرا، مما يدل على أن البداية كانت مجرد محاولات واجتهادات صرفة قبل أن يظهر البناء العقلي المحكم نتيجة للتطور ولتعدد الاجتهادات. (2) تبادل الصدارة بين الأوصاف والصفات

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٢٩