وفي الحركات الإصلاحية الحديثة بدأت الدعوة إلى العود إلى الأشياء من جديد، والتأمل في الآثار والآيات في العالم وليس في كنه الذات.
123
ولكن ليس السبب في ذلك قصور العقول عن معرفة كنه الأشياء، بل العود إلى العالم واكتشاف قوانينه والقضاء على الاغتراب، وتحويل النظرة إلى خارج العالم دون تشخيص للحقائق. فالحديث عن «الله» يبرز عندما يتوقف الحديث عن العالم، وتشخيص الحقائق يبدأ عندما يعجز الإنسان بعقله عن فهم معانيها المستقلة وبإرادته عن تغييرها وتنظيمها وتوجيهها والسيطرة عليها. السؤال عن ماهية «الله» إذن يدل على وعي مغترب في العالم، وهو الوعي المزيف، في حين أن العود إلى العالم يكشف عن الوعي بالعالم، وهو الوعي الصحيح. إنه لا يكفي إنكار الماهية كما تفعل المعتزلة أو تحريم النظر في ذات «الله» كما يفعل الفقهاء، بل لا بد من بيان سبب هذا الإنكار وعلة هذا التحريم. ومتى يظهر السؤال عن ذات «الله» وفي أي ظروف اجتماعية وسياسية يتم مثل هذا التساؤل النظري الخالص، خاصة وأن لفظ «ذات» في الوحي يشير إلى مضمون الوعي كما يعبر عن الاتجاه والحركة في المجتمع أو عن لب الأشياء وجوهرها الحسي بعيدا كل البعد عن السؤال النظري لوعي مغترب.
124
| ثانيا: أوصاف الذات وصفاتها
وبعد إثبات الذات يبدأ وصفها، فيرتبط بسؤال إمكانية العلم بالذات سؤال آخر وهو أخص وصف تتميز به الذات، وهل هناك صفات أخرى لا نعلمها إذا ما تم حصر الصفات؟ فعلى فرض إمكانية العلم بالذات عن طريق آثارها التي تدل عليها فهل يمكن ابتداء من هذه الآثار وصف الذات في نفسها أو في غيرها أو في أفعالها؟ وهنا يظهر موضوع الصفات الذي أصبح لب التوحيد. ثم تمايزت الصفات عن الأوصاف بعد حصرها وتصنيفها إلى نفسية ومعنوية، سلبية وثبوتية. وعلى الرغم من أنها كلها تقريبا إنسانية وتشبيهات وقياس للغائب على الشاهد. ماذا تعني صفة؟ هل الصفة شيء؟ هنا يظهر الحس من جديد ويفرض نفسه على التنزيه. فإذا كان التنزيه قد استطاع أن يتخلى عن كل مظهر من مظاهر التشخيص حتى ولو كان ذاتا أو فردا أو غيرا، فإنه يضعف أمام الحس الذي يجعل الصفة شيئا.
1
أما إذا اجتمعت الصفات فقد لا تكون بالضرورة أشياء؛ لأن المجموع يعطي كلا جديدا يستطيع أن يتجاوز الصفة المفردة بصفته، وهي عملية شعورية ثانية يكون بها الكل أقوى من الجزء. ولا يمكن أن تكون الصفة إلا شيئا ما دامت تصف ذاتا موجودة. فالشيء موجود والموجود شيء. ولما كان وصف الصفة بالشيء يوحي بالشيئية المرفوضة في التجسيم فهل تكون الصفة معنى؟ المعنى أقرب التصورات إلى التنزيه لأن الشيء يوحي بالجسمية، فالأجسام وحدها هي الأشياء في حين أن المعنى مشخص بل دلالة خاصة.
2
ولما كان المعنى مجردا ذاتيا والذات حسية موضوعية لم يوف المعنى كل حق الصفة. فإذا لم تكن الصفة شيئا أو معنى فهل هي اسم؟ وماذا يعني اسم؟ الاسم هو اختيار إنساني للفظ من اللغة العادية للتعبير به عن مضمون شعوري أو للإشارة به إلى شيء موجود في الواقع إذا تم الاتفاق على ربط هذا الاسم بهذا المسمى. وعلى هذا النحو يكون التوحيد بين الأسماء والصفات انتقال من اللغة إلى الشيء بلا برهان أو من الذات إلى الموضوع دون اتفاق مسبق على تطابق هذه الأسماء مع تلك المسميات.
3
فليس كل عالم عالما بالضرورة لمجرد تسميته باسم عالم، وكل قادر لا يكون قادرا بالضرورة من مجرد تسميته قادرا. هذه المعاني الثلاث لكلمة صفة كأنما تكشف عن صعوبة وصف الذات التي لا يمكن العلم بها. وماذا يعني وصفها بصفات تقريبية؟ هل هذه الصفات تدل على أشياء بالفعل أم تشير إلى مجرد معاني ذهنية لا توجد في الأعيان أم هي مجرد أسماء وألفاظ من اللغة للتعبير بها عن مضمون شعوري وموقف إنساني خالص في ظرف اجتماعي وسياسي معين كنوع من الإبداع الشعري أو الفكري؟ (1) تداخل الأوصاف والصفات