118
ولا يمكن أن تكون ماهية الله عين وجوده كما هو الحال عند الفلاسفة، فالوجود ليس الماهية، ولا يمكن وصفه بأنه متقيد بأنه غير عرض للماهية ف «الله» هو الوجود المطلق.
119
كما أن ذلك يتنافى مع قول الفلاسفة عامة بأن حقيقته غير معلومة للخلق. كما أن التعريف سلبي لأنه يقوم على غير التقيد أو على القيد السلبي، ولا يمكن تعريف الشيء سلبا فحسب، فذلك جمع بين المعرفة والجهل في آن واحد. وفي هذه الحالة لا يفترق عن باقي الوجود المجرد من الماهية. ولا يمكن تصوره بالبداهة، ولا يمكن حده لأن الحد يقتضي التركيب، و«الله» ليس مركبا. ولا يمكن معرفة الماهية إلا بذكر خواصها، ولا يمكن حصر الخواص. وكل الخواص تقريب من الإنسان وتقع فيها المشاركة. فإذا قيل الوجود كما تقول الفلاسفة فلا بد من معرفة صفاته، وبالتالي يكون الأسلم موقف المتكلمين، إذ لا يمكن معرفة شيء من وجوده، فالوجود أيضا اشتراك؛ لذلك فضل المعتزلة القول بأن «الله» لا ماهية له؛ إذ لا تخلو الماهية من أن تكون هي الله، أو تكون غيره. فإن كانت غيره والماهية لم تزل فلم يزل مع «الله» غيره وهذا شرك. وإن كانت هو هي وكنا لا نعلمها، فنحن لا نعلم «الله»، والجهل كفر. ولو كانت له ماهية لكانت له كيفية، وهذا تشبيه.
120
ويفضل الفقهاء القول بأن لله ماهية هي أنيته نفسها، وأنه لا جواب لمن سأل ما هو الباري إلا ما أجاب به موسى فرعون. الجواب ليس لدينا ولا عند «الله». ومع ذلك فمن أبطل الماهية فقد أبطل حقيقة الشيء. ولكن أولى مراتب الإثبات الأنية، إثبات جود الشيء فقط. وفي غير الله اختلفت الأنية عن الماهية لاختلاف الأعراض في المسئول عنه. ونحن لا نعلم عنه إلا ما أخبر به هو عن نفسه.
121
والحقيقة أن القول بأن له ماهية هي أنيته تحصيل حاصل، فالماهية هي الأنية والمطلوب معرفة ما الأنية. ولا يمكن أن تكون هي الماهية وإلا وقعنا في الدور. ولا يمكن القول بأن «الله» قد وصف نفسه بهذه الصفات في كلامه، في الوحي، وأن الإنسان إنما يصف الله بصفات وصف «الله» نفسه بها وبالتالي تستحيل وقوع الشركة؛ وذلك لأن كلام «الله» عن نفسه مختلف عن كلام الإنسان عن «الله» مستعملا كلامه عن نفسه. «الله» من حقه الحديث عن نفسه ولكن الإنسان ليس من حقه الحديث عن الله حتى ولو استعمل حديث «الله» عن نفسه، وإلا أخذ الإنسان موقف «الله». وفي هذا تجاوز لموقف الإنسان وزحزحة «لله» عن موقعه، كما أن كلام «الله» عن نفسه واصفا إياها إنما هو خطاب للإنسان، بصفات إنسانية على وجه التقريب، وبلغة إنسانية. لقد استعمل «الله» أيضا التقريب للأفهام، وبالتالي كان الوحي لغة إنسانية يتحدث بها «الله» لتفهيم الإنسان. فالشركة واقعة من داخل الوحي بغرض الإفهام والتقريب إلى الذهن، وما كان «الله» ليتحدث عن نفسه مباشرة كاشفا نفسه حتى يراها الإنسان مباشرة ودون لغة.
122
وما دام الإنسان قد أعاد قراءة حديث «الله» عن نفسه واصفا إياها، فإنه لا يوجد ضامن أنه يفهم هذا الوصف تماما كما قصده «الله». إذ يخضع استعماله لوصف الله لنفسه في الوحي لقواعد التفسير وأصول التأويل. وعادة ما يستعمله الإنسان لحسابه الخاص، بتجاربه وفهمه ومعانيه. ولا يوجد أي ضمان للتوحيد بين هذا الفهم وقصد «الله». إن الغاية من حديث «الله» في الوحي ليست وصف ذات «الله»، بل سعادة الإنسان ورفاهيته في هذه الدنيا، فإن قصد «الله» هو الإنسان، وبالتالي يكون حديث الإنسان عن «الله» ذاتا وصفات وأفعالا إنما هو قلب لقصد «الله» من الوحي، وتغيير لهذا القصد من الإنسان إلى «الله»، فإذا كان «الله» لم يأخذ ذاته موضوعا للحديث فكيف يأخذ الإنسان «الله» موضوعا لكلامه؟ إن وصف «الله» نفسه ذاتا وصفات وأفعالا إنما القصد منه إظهار البعد المبدئي المثالي في شعور الإنسان. فذات «الله» إنما هو الوعي الخالص، وصفاته إنما هي مجموعة المبادئ التي تنظمها الذات في إطار معرفي خالص. والأفعال إنما هي تحقق هذا الوعي المبدئي في التاريخ. وبالتالي لا تشير الذات والصفات والأفعال إلى كائن مشخص يعرف كل شيء، وقادر على كل شيء، بل تشير إلى هذا البعد النظري والعملي في الشعور الإنساني.