تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتفصيلا لهاتين الخطوتين الرئيسيتين يقوم الشعور بتطبيقها على خطوات أدق. أولا: الاعتراف بالموقف الإنساني والإحساس الواقعي به على عكس القضايا الموجبة التي كان فيها الإحساس بالمثل غالبا. هنا اعتراف بأن الموقف الإنساني موقف طبيعي به الجهل والعجز والموت والصمم والبكم والعمى والانفعال، وينتابه العدم والحدوث والفناء والشيئية والمحل والكثرة، وتعتريه القسوة والعبودية والدنس والحرب والكفر والذل والانتقام والعقاب والصغار والقساوة والجحود والنسيان والإهمال والشح والفظاظة والظلم والبطلان ... إلخ إلى آخر مضادات الأسماء. بالتالي فإن الموقف الإنساني الطبيعي هذا موقف شرعي لأنه إقرار بواقع. ثانيا: الحكم على هذا الموقف الإنساني في شتى جوانبه بأنه نقص وعيب يجب التبرؤ منه والتنكر له ونفيه. وهذا هو الخطأ اللاشعوري. فالموقف الإنساني بطبيعته أقرب إلى الجهل منه إلى العلم، وإلى العجز منه إلى القدرة، وإلى الظلم منه إلى العدل. وأن عظمة الإنسان لتتجلى في القدرة على التحول من طرف إلى آخر بفعل الإرادة الحرة وبإدراك العقل المستقل. وذلك هو التحدي، وتلك هي الرسالة. فما يظن أنه نقص هو في الحقيقة كمال أو شرط كمال. وما يحكم عليه أنه عيب هو في الحقيقة شرف أو طريق الشرف. فمن عظمة الإنسان أنه يموت ليخلد، ويمرض ليصح، ويعجز حتى يقدر، ومن ثم الانتقال من الواقع إلى المثال. ثالثا: تشخيص الوعي بالذات خارج العالم وتحجره وتجميده وتثبيته خارج الإنسان ثم إجلاله وتعظيمه وتأليهه وتعبده حتى تصب الحياة كلها فيه في النهاية ويفقد الإنسان حياته ووجوده بعد أن فقد وعيه بالذات. وهي نفس المرحلة في القضايا الموجبة واستعمالها كمشجب تعلق عليه الصفات. رابعا: إسقاط كل الصفات التي حكم عليها الإنسان بأنها عيب ونقص مثل الجهل والعجز والموت وإطلاقها عليه، ورؤيته من خلالها، وكأن الإنسان يريد التخلص منها فيقذفها خارجه كما قذف وعيه من قبل خارجه. خامسا: يسارع الإنسان بنفي صفات النقص والعيب بعد إسقاطها على الذات المشخص حتى يبرئها من هذه الاتهامات التي ألقاها على نفسه ويتحمل المسئولية وحده وحتى يطهر ذاته المشخص ووعيه المغترب، طوق النجاة له وسبيل الخلاص، فيقول: «الله ليس جاهلا»، «الله ليس عاجزا»، الله ليس ميتا ... إلخ. سادسا: فإذا ما رجع الإنسان إلى الاعتراف بالموقف الإنساني وعدم إدانته، ثم عمل على تحويل الجهل إلى علم، والعجز إلى قدرة، والموت إلى حياة، لم يعد يشعر بالعيب من الأساس، من جهل وعجز وموت، بل يفخر بعلمه وقدرته وحياته. وهذا الرجوع لا يتم إلا عن طريق استرداد الإنسان لوعيه الذاتي، فيعود الذات المشخص داخل الوعي بالذات، وهذا لا يتم إلا بالوعي الفردي من داخل الوعي الجماعي.

وتطبيقا لهذه الخطوات العامة أو التفصيلية يمكن تحليل تكوين القضايا السالبة على النحو الآتي: (1)

الله ليس جاهلا: تعني أن من مكونات الموقف الإنساني الجهل. فالإنسان قد يكون جاهلا وقد يكون عالما. والتحدي أمامه هو الانتقال من الجهل إلى العلم. ثم يحكم الإنسان على الجهل بأنه عيب ونقص، وهو حكم شرعي يدل على اتجاه الإنسان وميله إلى العلم. ولما كان الإنسان مغتربا في العالم، قاذفا بوعيه بذاته خارجه، ثم أراد أن يحادث نفسه الخارجية وأن يصفها، فأسقط صفة الجهل عليه. ولكنه سرعان ما ينفيها مبرئا أعز ما لديه من أسوأ ما لديه من نقص وعيب فيقول: «الله ليس جاهلا». وفي الوقت الذي يقضي فيه الإنسان على جهله ويصبح عالما، ويسترد وعيه بذاته إلى داخله، فإنه في هذه الحالة لا يتراءى له نقصه ولا يسقطه على شيء ولا ينفيه، ولا يقول: «الله ليس جاهلا»، بل يبحث عن مظهر نقص آخر أو أن يصف الله بأعز ما لديه حينئذ وهو العلم إن لم يكن قد تحقق كلية ويقول: «الله عالم». ولكن يظل حكى النفي هو الأقوى لأن العلم في حالة التحقق ولو النسبي ليس بأعز ما لدى الإنسان؛ لأنه حصل عليه بالفعل أو في الطريق إليه. والإنسان يود وصف ذاته بحلمه وأمنيته التي لم تتحقق. (2)

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٢٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٢٠٦