الله ليس عاجزا: تعني أن الإنسان يعيش في عالم يشعر فيه بالعجز وبأنه غير قادر على تحقيق كل ما يصبو إليه. ثم يحكم لا شعوريا بأن العجز آفة وبأن عدم القدرة نقص وعيب لا بد من التخلص منه. ولما كان الإنسان يعيش مغتربا مشخصا وعيه بذاته خارجا عنه وأراد أن يتوحد مع نفسه من خلال مناجاتها والحديث معها ووصفها فإنه يسقط صفة العجز عليه وسرعان ما يبرئها منها. فالإنسان لا يصف أعز ما لديه بأسوأ ما لديه وهو العجز. وإذا ما استرد الإنسان وعيه بنفسه وبالعالم واستطاع أن يقضي على عجزه وأن يصبح قادرا فإنه لن ينفي عن الله عجزه بل ينفي عنه أحد مظاهر النقص الأخرى التي لم يتخلص منها بعد. ولا يصفه بأنه قادر إما لأن القدرة قد تحققت بالفعل أو لأن النفي أقوى من الإثبات، ودفع التهمة والشبه أكثر تنزيها من الثناء والمدح. (3)
الله ليس ميتا: تعني أن الإنسان يرى الموت نقص وفناء فينزعج من الموت، ويخشى منه، ويدفعه عنه، ثم يحكم على الموت بأنه أحد مظاهر النقص مهما أله الموتى أو عبد الأموات أو حفظهم أو بنى لهم المقابر العظام وخلد آثارهم. ولما كان الإنسان يعيش مغتربا في عالمه يرى وعيه بذاته بعيدا عنه، متحجرا، بعيدا عن شرور البشر وآثامهم، وأراد أن يحادثه ويناجيه ويصفه، فإنه سرعان ما يسقط عليه ولو توهما، ثم يسارع بنفيه، فلا يجوز أن يصف أعز ما لديه بأسوأ ما لديه وهو الموت فيقول: «الله ليس ميتا»، فإذا ما استرد وعيه بذاته داخل العالم، وجعل الموت مظهرا من مظاهر الكمال، فالإنسان لا يخلق ولا يبدع ولا يخلد نفسه إلا لأنه ميت. والإنسان الذي لا يموت لا يصبح الخلود لديه مقصدا ولا للزمن قيمة ولا للعواطف الإنسانية دلالة. ثم يبحث الإنسان إذا ما عاد إليه اغترابه عن مظهر آخر من مظاهر النقص ليسقطه ثم ينفيه. (4)
الله ليس أصم: فالإنسان إذا ما كان أصم فإنه يصبح ناقصا في إحساسه. الصمم نقص إذ إنه لا يسمع الأصوات، ويكون الإنسان الأصم غير قادر على الحديث والاستجابة وغير قادر على سماع الوحي. ولما كان الإنسان يعيش مغتربا في عالمه قاذفا بوعيه خارجه ويريد الارتباط به عن طريق الحديث والحوار ويتغنى فيه، فإنه سرعان ما يسقط عليه الآفة ثم ينفيها في نفس لحظة الإسقاط، فلا يصف الإنسان كنه ذاته بعيوبه وآفاته. فإذا ما استرد الإنسان وعيه بذاته في العالم وإذا ما قضى على الصمم الحسي أو المعنوي فإن النقص يصبح كمالا ولا يقول الإنسان حينئذ «الله ليس أصم». (5)
الله ليس أعمى: وتعني أن الإنسان يعتبر العمى عيبا ونقصا، سواء العمى العضوي أو العمى الإرادي. ولما كان الإنسان يعيش مغتربا في العالم نازعا روحه خارجه فإنه سرعان إذا ما أراد محادثتها ومناجاتها فإنه يسقط عليها عيوبه ثم يبرئها منها كما يضحي الحبيب بنفسه من أجل محبوبه ويجعل نفسه ناقص المحامد والمحبوب كامل الأوصاف. فإذا ما عاد الإنسان إلى وعيه بذاته وبالعالم وقضى على عماه المعنوي ورأى وأبصر، فإنه لا يسقط على الله العمى بل يسقط عليه عيبا آخر لم يتخلص منه بعد. (6)
الله ليس أبكم: تعني أن الإنسان في حياته يعيش أبكم أخرس اللسان عضويا واجتماعيا لا إراديا وإراديا. وهو يعلم أن البكم العضوي إذا كان عيبا، فإن البكم الاجتماعي امتهان. ولما كانت ذاته مغتربة عن العالم مقذوفا بها خارجه يود استردادها بالكلام والحديث معها ووصفها، فإنه يسقط من نفسه صفاته. فإذا ما وجدها عيوبا فإنه سرعان ما ينفيها ويقول: «الله ليس أبكم». فإذا ما تخلص الإنسان من خرسه الاجتماعي وتكلم فإن صفة النقص تغيب عن شعوره فلا يسقطها على وعيه المقذوف خارجه، ويسقط عليه إما عيبا آخر لم يقض عليه بعد أو وصفة إيجابية حققها بجهده مع خطر المشاركة أو لم يحققها بعد وتظل مثلا أعلى لديه. (7)